وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ بِوَطْءِ الزِّنَا, فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَجُلٍ زَنَى بِأُمِّ امْرَأَتِهِ: "حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ", وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ; وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَامِرٍ وَحَمَّادٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ وَطْءِ الْأُمِّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ أَوْ بَعْدَهُ فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ الْبِنْتِ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِأُمِّ امْرَأَتِهِ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ بِهَا قَالَ: "تَخَطَّى حُرْمَتَيْنِ1 وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ" وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ". وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ" لَا يُحَرِّمُ حَرَامٌ حَلَالًا" عَلَى الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ وَلَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ زِنَاهُ; وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عِكْرِمَةُ فِي أَنَّ الزِّنَا بِالْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ عَطَاءٍ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عِنْدَهُ لَمَا احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: "لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ". وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ: "لَا تَحْرُمُ أُمُّهَا وَلَا بِنْتُهَا بِالزِّنَا". وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِأُمِّ امْرَأَتِهِ قَالَ: "حَرَامٌ لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا, وَلَكِنَّهُ إنْ زَنَى بِالْأُمِّ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْبِنْتَ أَوْ زَنَى بِالْبِنْتِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُمَّ فَقَدْ حَرُمَتْ" فَفَرَّقَ بَيْنَ الزِّنَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ وَقَبْلَهُ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الرَّجُلِ يَلُوطُ بِالرَّجُلِ هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهُ وَابْنَتُهُ؟ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: "لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ" وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ: "هُوَ مِثْلُ وَطْءِ الْمَرْأَةِ بِزِنًا فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ" وَقَالَ: "مَنْ حَرَّمَ بِهَذَا مِنْ النِّسَاءِ حُرِّمَ مِنْ الرِّجَالِ". وَرَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْت سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ عَنْ الرَّجُلِ يَلْعَبُ بِالْغُلَامِ أَيَتَزَوَّجُ أُمَّهُ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَكْرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ قَدْ لَعِبَ بِابْنِهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي غُلَامَيْنِ يَلُوطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَتُولَدُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ جَارِيَةٌ قَالَ: "لَا يَتَزَوَّجُهَا الْفَاعِلُ".

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} قَدْ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ نِكَاحِ امْرَأَةٍ قَدْ وَطِئَهَا أَبُوهُ بِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ; إذْ كَانَ الِاسْمُ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهَا, وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي وَطْءِ الْأَبِ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي وَطْءِ أُمِّ الْمَرْأَةِ أَوْ ابْنَتِهَا فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَالدُّخُولُ بِهَا اسْمٌ لِلْوَطْءِ, وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ ضُرُوبِ الْوَطْءِ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ وَنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ, فَوَجَبَ تَحْرِيمُ الْبِنْتِ بِوَطْءٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ تَزَوُّجِ الْأُمِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ويدل على أن الدخول بها

طور بواسطة نورين ميديا © 2015