تَقْدِيمِ ذِكْرِ النِّكَاحِ أَنَّ النِّكَاحَ يَتَنَاوَلُ لَهُ الْأَمْرَيْنِ, فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ الْعَقْدِ الْحَلَالِ لَا مِنْ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سِفَاحٌ. وَلَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْمَ يَنْتَظِمُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ, وَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ هَذَا الِاسْمِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَأَنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَالْجَمْعُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ; إذْ الْعَقْدُ لَا يَقَعُ بِهِ جَمْعٌ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَا يَقْتَضِي جَمْعًا فِي الْحَقِيقَةِ, ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجَازٌ لِلْعَقْدِ, وَأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا سُمِّيَ نِكَاحًا; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْوَطْءِ, تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ أَوْ مُجَاوِرًا لَهُ, مِثْلُ الشَّعْرِ الَّذِي يُوَلِّدُ الصَّبِيُّ وَهُوَ عَلَى رَأْسِهِ يُسَمَّى عَقِيقَةً ثُمَّ سُمِّيت الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ عِنْدَ حَلْقِ ذَلِكَ الشَّعْرِ عَقِيقَةً, وَكَالرَّاوِيَةِ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِلْجَمَلِ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَزَادَةَ ثُمَّ سُمِّيَتْ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةً لِاتِّصَالِهَا بِهِ وَقُرْبِهَا مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو النَّجْمِ:

تَمْشِي مِنْ الرِّدَّةِ1 مَشْيَ الْحُفَّلِ ... مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الْأَثْقَلِ

وَنَحْوُهُ الْغَائِطُ, هُوَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ وَيُسَمَّى بِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَجَازًا; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْصِدُونَ الْغَائِطَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ; فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ اسْمٌ لِلْوَطْءِ حَقِيقَةً عَلَى مُقْتَضَى مَوْضُوعِهِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَيُسَمَّى الْعَقْدُ بِاسْمِهِ مَجَازًا; لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ وَهُوَ سَبَبُهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الْعَقْدِ مَجَازًا أَنَّ سَائِرَ الْعُقُودِ مِنْ الْبِيَاعَاتِ وَالْهِبَاتِ لَا يُسَمَّى مِنْهَا شَيْءٌ نِكَاحًا وَإِنْ كَانَ قَدْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ; إذْ لَمْ تَخْتَصَّ هَذِهِ الْعُقُودُ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ; لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ تَصِحُّ فِيمَنْ يَحْظُرُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا كَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَمِنْ النَّسَبِ وَأُمِّ امْرَأَتِهِ وَنَحْوِهَا; وَسُمِّيَ الْعَقْدُ الْمُخْتَصُّ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ نِكَاحًا; لِأَنَّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا, فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ, فَوَجَبَ إذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْنَا أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} عَلَى الْوَطْءِ, فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ مِنْ النِّسَاءِ عَلَيْهِ; لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النِّكَاحَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُبَاحِ مِنْهُ دُونَ الْمَحْظُورِ كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ, وَالْوَطْءُ نَفْسُهُ لَا يَخْتَصُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِالْمُبَاحِ مِنْهُ دُونَ الْمَحْظُورِ بَلْ هُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ: إنَّ قَوْله تَعَالَى: {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} مُرَادُهُ الْوَطْءُ دُونَ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ حَقِيقَةٌ فِيهِ, وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْعَقْدَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ لَفْظٍ وَاحِدٍ مَجَازًا حَقِيقَةً فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ, وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا التَّحْرِيمَ بِالْعَقْدِ بِغَيْرِ الْآيَةِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015