والدليل على أنَّ ذلك الأمر الروحاني كان يحصل ولو لم يرفع المأموم صوته قولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة: "هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟ " وفي حديث ابن أُكيمة: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ " ثم قوله: "وأنا أقول ما لي أُنازَع القرآن"
[ص 3] يريد - والله أعلم -: فأَنْصِتوا عما سوى الفاتحة، وقوله: "وإذا قرأ" أي: جهرًا؛ بحيث تسمعون صوته؛ بقرينة قوله: "فأنصتوا"، فإنَّ الإنصات عند أهل اللغة هو السكوت للاستماع، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وبهذا تتفق الأدلة، ولله الحمد.
ما يحتجُّ به من قال: إنَّ المأموم لا يقرأ أصلاً
احتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة.
[ص 2] ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة = لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).
أقول: دليله اتفاق الحديثين في أمور:
الأول: في أنَّ الصلاة كانت الصبح.
الثاني: في حديث عبادة: أنَّ القراءة ثقلت أو التبست على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي حديث أبي هريرة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقول ما لي أنازع القرآن".
والمعنى واحد؛ في أنَّها ثقلت أو التبست عليه، وأنه نوزع فيها.