القرآن ... من تفسير النص إلى تحليل الخطاب

ـ[عبدالرحمن الحاج]ــــــــ[28 May 2009, 09:55 ص]ـ

القرآن ... من تفسير النص إلى تحليل الخطاب

عبدالرحمن الحاج

26 - 03 - 2009

بدت الدراسات التفسيرية والتحليلية للقرآن وخطابه في يوم من الأيام كما لو أنها نضجت واحترقت وأشبعت بحثا، فالمدونة التفسيرية للقرآن الكريم تشكل أكبر إنتاج علمي في تاريخ الإسلام، وعلى الرغم من التنويعات المنهجية المحدودة (لغوية وتراثية) فإن الباحثين في التفسير يجدون أنفسهم أمام هذا الكم الهائل من كتب التفسير عاجزين عن تقديم الجديد.

وكانعكاس لهذا التصور فإن الدراسات القرآنية في المعاهد والكليات الشرعية تحتل مراتب دنيا من الاهتمام، فيما تأخذ الدراسات الفقهية والحديثية جل الاهتمام، وذلك على الرغم من أن الدراسات القرآنية في العقود الستة الأخيرة أثبتت خِصبَ البحث الدلالي في القرآن إلى درجة يبدو فيها القرآن كما لو أنه حقل بكر تماما.

ذلك يجعلنا نرى أن المشكلة ليست قائمة في الاهتمام بالدراسات القرآنية عموما فحسب، بل إن المشكلة أساسا قائمة أيضا في مسألة المنهج؛ إذ لم يحظ المنهج في التفسير (بالمعنى العلمي لمفهوم المنهج) بالدراسة الكافية في حقل الدارسات القرآنية، صحيح أنه كتبت مؤلفات كثيرة حول مناهج المفسرين، غير أنها لا تخرج في المحصلة عن فكرة المنهجين التقليديين (التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي)، ولم يأخذ الخلاف حول البحث مفهوم "المنهج" ومرجعياته وتقنياته في أصول دراسة القرآن المساحة العلمية اللازمة، الأمر الذي جعل المعرفة الإسلامية اليوم تفتقد إلى علم مستقر لأصول التفسير على غرار علم أصول الفقه ومناهجه. ([1])

رخاوة مفهومية

وعلى الرغم من أن مفهوم الخطاب يعاني - مثل كثير من المصطلحات المتداولة في منظومة الفكر الإسلامي الحديث - من رخاوة مفهومية، بحيث إنه تسرب إلى هذه المنظومة من خلال الاحتكاك بالفكر الحداثي، وتم تداوله دون ضبط عميق له، بل إن تدواله تجاوز العادة في الفكر الإسلامي الحديث، ونعني بها "التأصيل" بأثر رجعي بالتراث الإسلامي، على الرغم من أننا نرى في التأصيل ممارسة فكرية خطيرة وبالغة الضرر على الفكر الإسلامي نفسه، إلا أن هذه العادة لم تمارس فيما يخص هذا المصطلح الذي أصبح مفتاحيا في الكتابات الإسلامية، وإنه لمن الضروري أن يتم دراسة هذا المصطلح وفهمه من مصادره الأصلية الغربية.

والواقع أن مصطلح الخطاب، كما يتم تداوله اليوم بوصفه تصورات حول قضية ما مستفادة من النص أو مجموعة نصوص يرجع أساسا إلى الفيلسوف الفرنسي "ميشيل فوكو"، الذي تأثرت به الدراسات اللسانية والاجتماعية والفلسفية في الربع الأخير من القرن العشرين على نحو عميق.

وعلى الرغم من أن مفهوم الخطاب مرتبط بشكل وثيق بالنصوص من خلال ارتباطه بمعاينها، إلا أن الخطاب من جهة أولى ليس هو المعنى الحرفي والمباشر للنص، وليس النص من مشمولاته، إنما هو قائم في المعنى الذي يستقى من المعنى المباشر والحرفي للنص، فمستوى المعنى التفسيري الحرفي والمباشر جزء من مفهوم النص ذاته، أما مستوى الخطاب - حيث النص هو وسيلة - فإن فهم مغزى النص وتأويله ومنطوقه ومسكوته (مفهومه) هو مشمولات مفهوم الخطاب.

ومن جهة ثانية فإن الخطاب دوما يمثل فعلا اجتماعيا بحيث لا يمكن فهمه بمعزل عن تأثيره وتداخله في العلاقات الاجتماعية في الفاعلين، ومن جهة ثالثة فإن ارتباطه بالنسق الاجتماعي يحيلنا إلى موضوع السلطة، وموضوع رؤية العالم ( World View / Weltanschauung) ( بمعناها الفردي وليس الأنثربولوجي الاجتماعي).

إن الخطاب بهذا المعنى يمكن أن يكون في عدة نصوص على أن يكون الربط بينها أنها جميعا صادرة عن جهة واحدة (حقيقية أو اعتبارية)، وموجهة لجهة واحدة محددة (حقيقية أو اعتبارية)، وعندما نقول "جهة" فإننا نعني أن المخاطِب أو المخاطَب يمكن أن يكون شخصا، ويمكن أن يكون جهة اعتبارية (مثل المؤسسة أو غير ذلك).

إن هذا التعريف للخطاب يقتضي أن النص بقدر ما هو مفارق لمفهوم الخطاب هو في الوقت نفسه جزء منه، كما يقتضي أنه لا بد أن يكون هناك سياق ما للخطاب ليمارس فيه فعله ويؤسس سلطته؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك خطاب بدون سياق (أو مناسبة) عام أو خاص.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015