فالمعتزلة إذن تأثروا إلى حد ما بآراء مخالفيهم وأفكارهم (لان من نازل عدوا عظيما في معركة فهو مربوط به مقيد بشروط القتال وتقلب أحواله) وربما تؤثر فيه روح العدو وحيله.

وكذلك في معركة الأفكار وفي الجملة فللعدو تأثير في تكوين الأفكار، ليس بأكثر من تأثير الحليف فيه، فلاغرو اذا رأيت شذوذا في أراء المعتزلة لتأثرهم بهذه المجادلة.

كانت طريقتهم في معرفة العقائد عقلية خالصة، لا يعتمدون على نص، اللهم إلا إذا كان موضوع الكلام حكما شرعيا أو له صلة بحكم شرعي، وللعقل نزوات وغرة، لذلك وقعوا في مجموعة من الهينات نتيجة نزعتهم العقلية الخالصة (12).

أما بخصوص مسألة خلق القرآن التي تطرق إليها المؤلفان، فان أول من قال بخلق القرآن (الجعد ابن الدرهم) في العصر الأموي، فقتله ولي الكوفة، ولما جاء المعتزلة، ونفوا صفات المعاني ثم بالغوا فأنكروا أن يكون الله متكلما، وأولوا ما ورد في القرآن بأن الله خلق الكلام كما خلق كل شيء ...

وقد اشتد الخوض في شأن القرآن في عصر الرشيد، ودار الحديث هل القرآن قديم أو حادث ... ، ولما جاء المأمون أحاط به المعتزلة وكان جل حاشيتهم من شيوخهم، وكان لهم الأثر الكبير عليه فزينوا له القول بخلق القرآن فأعلن ذلك سنة 212 هـ، ثم حمل الناس بقوة السلطان على اعتناق القول بخلق القرآن.

لقد بالغ المؤلفان في تصوريهم لمسألة خلق القرآن، واتخذوا منها الأساس الذي قام عليه التفكير العقلاني، وهذا غير صحيح.

فالمسألة إذا ما دققنا فيها النظر، سوف نجد أنها لا تعدو نظرية كلامية جدلية، كما أن موقف ابن حنبل من خلق القرآن ومن بعض نزعات الاعتزالية المغالية وهو نفس الموقف الذي اتخذه (مالك والشافعي) وغيرهم من كبار الفقهاء.

وقد تناول أبو حسن الأشعري الموضوع من منظور زواج بين مناهج العلوم النقلية والعقلية، كان الأحرى بالمؤلفين الوقوف عنده.

يرى الأشعري بأن كلام الله يطلق إطلاقين أحدهم الصوت والأخر بكلام النفس، ليس بصوت ولا حرف، وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، فالمعنى النفسي وهو القائم بذاته وهو الأزلي والقديم وهو لا يتغير بتغير العبارات ولا يختلف باختلاف الدلالات وهذا الذي نريده اذا وصفنا كلام الله بالقدم وهو الذي يطلق عليه كلام الله حقيقة، أما الأصوات والحروف الدالة على المعاني فهي مخلوقة حادثة (13)، وهكذا يتضح أن كلام الله صفة لذاته. وأن الأدوات المعبرة عنها بالألفاظ هي وحدها الحادثة في الزمن.

و يرى المؤلفان أن التصور التقليدي ساد في العالم الإسلامي لقرون طويلة وتواصل مع تعاليم ابن تيمية وأحمد ابن عبد الوهاب وطيلة هذه الحقبة فإن النهج التقليدي (النقلي Littéraliste ) سيكون هو المهيمن والمعبر عن الإسلام، ونتيجة لهذا الواقع فإن غالبية المسلمين اليوم ينظرون إلى القرآن باعتباره نصا يلجأون إليه لتقوية إيمانهم دون عقولهم حيث يتوقف النظر عند تفسير معاني الألفاظ. ومن ثم فهم غير قادرين على تدبر النص أو اكتشاف مضامينه ومن الصعب أن يغامروا بالبحت في معاني النص وتأويله وبالتالي فإنهم يحرمون أنفسهم من فهم خاص لمعاني القرآن، الأمر الذي يؤدي إلى فقدانهم جزءا من هويتهم وثقتهم في أنفسهم وهذا ما يؤدي إلى عزلتهم عن العالم، بدلا من الانخراط مع باقي المكونات البشرية في صنع المصير المشترك.

ويتطرق المؤلفان إلى رؤيتهم لفهم القرآن ( comprendre le coran ) وينطلقان من أن مقولة عدم خلق القرآن تسد السبل أمام مقاربة حرة وذكية وعقلانية للقرآن الكريم

( une approche libre intelligence rationnelle )

وتأسيسا على ذلك يدعوان إلى قراءة مباشرة للقرآن lecture directe) ) تجتهد في فهم معانيه على ضوء ملابسات نزوله.

ويرى المؤلفان أن القرآن صعب المنال ( d'un accès ardu )

وبالتالي فإن فهمه ليس ميسورا لأنه يحتوي على"" 6236"" آية جمعت في كتاب بعد 20 سنة من وفات الرسول (ص) وتم ترتيبها ترتيبا مبهما

( dans un ordonnancement inexpliqué ) لأنه لا يتوافق مع تاريخ النزول وأسبابه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015