3 - الرأي

لغة: يطلق على معان منها: الاعتقاد، والعقل، والتدبير، والنظر والتأمل (كما فى الوسيط) (1).

واصطلاحا: عرفه الأصوليون بأنه: استنباط الأحكام الشرعية فى ضوء قواعد مقررة، وعرف بأنه: اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة ظن (2).

وقيل: هو استخراج صواب العاقبة.

وقيل: ما يترجح للإنسان بعد فكر وتأمل.

وعرَّفه الباجى بأنه: اعتقاد إدراك صواب الحكم الذى لم ينص عليه.

ويلاحظ فى هذه التعريفات مجتمعة أنه يقصد بالرأى فيها ما كان للعقل فيه نظر وبحث للتوصل إلى شىء مجهول.

وهناك فرق بين الرأى والاجتهاد، فالفرق بينهما أن الاجتهاد معنى طلب الصواب، والرأى معنى إدراك الصواب، ولذلك يقال: إن الرأى المصيب ما رأيت، فلا يعبرون بذلك إلا عن كمال الاجتهاد وإدراك الصواب (3).

وتعريف الباجى للرأى وكذا تعريف ابن خويز منداد وهو أن الرأى: استخراج صواب العاقبة، يظهران أن الرأى ليس بمقصور على الرأى الفقهى لأن هذا حكم كل رأى مصيب فى الفقه وغيره (4).

واعلم أنه قد انتسب للرأى جماعة من الفقهاء فسموا بأهل الرأى وذلك بأنهم كانوا يفزعون إلى تلمس الأحكام الشرعية للوقائع التى تمر عليهم دون أن يجدوا لها دليلا من كتاب أو سنة، وصنيعهم هذا كان له جذور ممتدة من عمل الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فإنهم كانوا يفزعون إلى ما يسمى بالرأى حينما يفقدون نصا فى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يستندون إليه فكانوا يبنون فتاويهم على القواعد العامة المستنبطة من مجمل الأصول الشرعية كالأخذ بالعرف، ومراعاة جلب المصالح ودفع المضار وغيرها مما يرجع مدلوله إلى الكتاب والسنة، ولم يكونوا في صنيعهم يهتمون بأصل معين يشبهون بمحله الحادثة التى يفتون فيها كما قضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على محمد بن سلمة بأن يمر خليج داره فى أرضه، لأنه ينفع جاره ولا يضر محمدا، فعلل الفتوى بأصل عام وهو إباحة النافع وحظر الضار، ولم يقله قياسا على أصل معين.

ولما كان هذا الأمر فيه شىء من الخطر فقد أحس الفقهاء بهذا فرأوا أن يضيقوا دائرة الرأى فشرطوا أن يكون للمستنبط بالرأى أصل معين يرجع إليه فى فتواه وهذا الأصل هو الكتاب أو السنة، وهذا هو القياس الذى اعتبروه أصلا من أصول التشريع بعد الكتاب والسنة، وبرع فيه فقهاء العراق، إلا أنهم كثيرا ما يتركون القياس لشىء سموه الاستحسان.

وأهل الرأى فى مذهبهم ينطلقون من أن الشريعة معقولة المعنى، ورأوا لها أصولا عامة نطق بها القرآن الكريم، وأيدتها السنة، ورأوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولا أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التى تعرض من هذا الباب، ولو لم يكن فيها نص (5).

واعلم أن السادة الحنفية أو أهل العراق المسمون بأهل الرأى لم يكونوا وحدهم الذين يفزعون إلى الرأى والاجتهاد عند فقد النص الشرعى، ولكن شاركهم غيرهم من أرباب المدارس الفقهية والأصولية الأخرى فهاهم المالكية يقولون بالمصالح وسد الذرائع وغيرها، وغيرهم يقولون بغير ما ورد كالاستصحاب، والأخذ بالعرف، وغيرها مما يوجد فى كتب الأصول تحت مسمى الأدلة المختلف فيها، أو تحت مسمى "الاستدلال"، والاستدلال حالة عند المجتهد يكون عليها بعد أن يتشبع بالأصول الشرعية الجزئية من الكتاب والسنة يستطيع بها أن يحكم فى الوقائع عند حدوثها دونما بحث عن دليل جزئى، ومرجع الاستدلال الأدلة والقواعد العامة المستنبطة من جملة الأصول المنصوصة، فهذا هو الرأى عند الفقهاء والأصوليين، وهو والاجتهاد معنى واحد، إن لم نقل بأنه أعم من الاجتهاد كصنيع أبى الوليد الباجى إذ يعتبر الرأى هو صواب الاجتهاد .. والله أعلم.

أ. د/ على جمعة محمد

1 - انظر: المعجم الوسيط 1/ 320، دار المعارف 1972 م، لسان العرب لابن منظور 3/ 1543 دار المعارف.

2 - انظر: الحدود لأبى الوليد الباجى، تحقيق: د/ نزيه حماد، ص 64 مؤسسة الزعبى للطباعة والنشر بيروت، ط أولى، 1973 م، التوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد عبد الرؤوف المناوى، تحقيق: محمد رضوان الداية، ص 354 دار الفكر، الطبعة الأولى 1990م، المعجم الوسيط 1/ 320، معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس قلعجى، وحامد صادق قنيبى، ص218، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى 1985 م.

3 - الحدود، لأبى الوليد الباجى، ص هـ 6.

4 - الحدود، للباجى، ص 64، 65.

5 - انظر: تاريخ التشريع الإسلامى، للشيخ/ محمد الخضر بك، ص167 وما بعدها، دار الفكر، الطبعة الثامنة 1967 م.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015