المساواةَ في الفعل. فمن ذلك ما ثبتَ في الصّحيح (?) أَنَّهُ أُتِيَ إِلَيهِ بيَهُودِيٍّ رَضَخَ رَأسَ جَارِيَةِ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فاعْتَرَفَ، فأَمَرَ بِهِ فَرُضَّ رَأسُهُ بَينَ حَجَرَينِ.

وقال أبو حنيفة (?): لا قَوَدَ إِلَّا بالسَّيفِ.

وزعم بعضُ أصحاب أبي حنيفةَ؛ أنّ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - إنَّما قتلَ هذا اليهوديِّ على الحِرَابَةِ، إذْ كان قَتَلَ الجاريةَ على مالِها، وتلك حقيقةُ الحِرَابَةِ.

قلنا: ما قَتَلَهُ إِلَّا قِصاصًا؛ لأنّ الأُمَّةَ أجمعت على أنّه لا يُقتَلُ في الحِرابَة بالحجارة، فكيف جاز لكم معشرَ الحنفيّة أنّ تترُكُوا إجماعَ الأُمَّةِ! وتطلُبوا أثرًا لا يُسَاوِي سَماعَهُ، بعد أنّ نظرتُم في نصِّ الحديث أنّه رَضَّ رَأسَ جارِيَةٍ فَرَضَّ رَأسَهُ بِحَجَرَيْنِ، فَذَكَرَ الحُكمَ والعِلَّةَ، وليس بعدَ هذا مَطلَبٌ.

ولَمَّا ثبت باتّفاقٍ اعتبارُ المساواةِ في المَحِلِّ، امتنعَ قتلُ المسلمِ بالكافرِ؛ لأنَّهما لا

يتساويان في الحُرْمَةِ، وبذلك قال جمهورُ العلّماءِ.

وخالفهم أبو حنيفةَ (?) فقال: يُقتَلُ المسلمُ بالذِّمِّيِّ الكافرِ من أهل دار الإسلام؛ لأنّه محرَّمُ الدَّمِ على التّأبيد.

قلنا: وإن كانت الحرمةُ مؤبَّدةً، ولكن الشُّبهةَ في المَحِلِّ قائمةٌ، وهي الكفرُ المُبيحُ لِدَمِهِ، فكيف يُساوَى ذلك؟ حتّى إنَّ الأوزاعيَّ قد بالغَ في هذه المسألةِ فقال: إذا قَتَلَ كافرٌ كافرًا، ثمّ أسلمَ القاتلُ، سقطَ عنه القَوَدُ، وهو أحدُ أقوال الشّافعيّ (?).

وقال علماؤنا: لا يَسقُطُ القَوَدُ؛ لأنّ المراعاة إنّما هي حالةُ الوجوبِ، وقد استَحَقَّ دَمَهُ، فما طَرَأَ بعد ذلك لا يُسْقِطُ ما تقرَّرَ وُجُوبُه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015