الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية

مقدمة:

اعتبر المسلمون التعليم من جملة الصنائع التي تحتاج إلى المعرفة والدربة التي تؤهل صاحبها للاشتغال بهذه الصناعة. قال ابن عبدون في رسالته: "والتعليم صناعة تحتاج إلى معرفة ودربة فإنه كالرياضة للمهر الصعب الذي يحتاج إلى سياسة ولطف وتأنيس حتى يرتاض ويقبل التعليم".

وعقد ابن خلدون فصلا خاصا في مقدمته عن أن "التعليم للعلم من جملة الصنائع" قال فيه: "وذلك أن الحذق في التعلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل ... ويدل أيضا على أن تعلم العلم صناعة لاختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها".

ولم تكن صناعة التعليم في البداية وظيفة حكومية كالقضاء والحسبة وغيرها، وإنما كان الشيوخ والمعلمون يقومون بالتدريس احتسابا لوجه الله وابتغاء لمرضاته، فمن آنس منهم في نفسه المقدرة على تعليم العلم حبس للتدريس. وهكذا كان التعليم في الملة الإسلامية واجبا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو كالجهاد فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الكل. وكل هؤلاء الشيوخ يتكسبون ويعيشون من كد يمينهم أو من مساعدة الملوك والأمراء وأهل الخير من العامة. كما أن الشيوخ والعلماء كانوا يتلقون أحيانا الهدايا والعطايا السخية من رجال الدولة وكبار الأعيان. وكانت الهدايا تشمل في بعض الأحيان حمولة دواب من الطعام والعسل والزيت إلى جانب النقود والمال. وكان الموسرون من الطلبة لا يبخلون بمالهم على مشايخهم ويقدمون لهم الهدايا، وكان الشيوخ والعلماء لا يجدون غضاضة في قبول هذه الهدايا "إبراهيم التوزري: ط1 ص142".

طور بواسطة نورين ميديا © 2015