الزيادة وسببها، فيكون معنى قولهم شرقت البلاد أي كثر هبوب الرياح الشرقية حتى نسفت الماء وأظهرت الأرض، ثم سميت الأرض شرقية باسم الريح وجمعت على شراقي مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي، وأما النيل فهو فعل من نال نيلا ومن نال ينول نولا، يقال نولته تنويلا ونلته نولا إذا أعطيته، والنيل اسم ما يُنال مثل الرعي للمصدر والرعي لما يُرعى وليس هذا من غرضنا ولكنه أمر عنّ فقلنا فيه.

فمتى نقص عن الست عشرة ذراعاً فهو ابتداء التفريط المقابل للإفراط، وكنا قد سُقنا في الكتاب الكبير سني الإفراط والتفريط منذ الهجرة إلى سنَتِنا هذه، وأما هنا فإنّما قص ما شاهدناه على ما شرطنا.

واتفق أن زيادة النيل بلغت سنة ست وتسعين وخمسمائة اثنتي عشرة ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا، وهذا المقدار نادر جدا، فأنه لم يبلغنا منذ الهجرة إلى الآن، أنّ النيل وقف على هذا الحد قطّ إلّا في سنة ست وخمسين وثلثمائة، فإنّه وقف على دون هذا المقدار بأربع أصابع، وأما وقوفه على ثلاث عشرة ذراعاً وأصابع، فإنه وقع نحو ست مرات في هذه المدة الطويلة، وأما أربع عشرة ذراعا وأصابع، فأنه وقع نحو عشرين مرة، وأما خمس عشرة ذراعا فأكثر من ذلك كثيرا ونحن نسوق أحوال زيادته في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وخمسمائة، ثم نتبع ذلك بما حصل عندنا من علل ذلك وقوانينه، فنقول أن العادة

جارية أن تبتدئ الزيادة من أبيب وتعظم في مسرى وتتناهى في توت أو بابه ثمّ تنحطّ، فدخل أبيب في هذه السنة وابتدأ النيل يتحرك بالزيادة وكان قبل ذلك بنحو شهرين قد بدت في مائه خضرة سلقية، ثم كثرت وظهرت في رائحته ذفرة كريهة وعفونة طحلبية كأنه عصارة السِّلق إذا بقي أياما حتى يعفن، وجعلت منه وعاء ضيِّق الرأس فعلاه سحابةٌ خضراء فرفعتها برفق وتركتها تجف إذا بها طحلب لا شك فيه، ويبقى الماء بعد رفع هذه السحابة غير صاف لا خضرة فيه إلّا أن طعمه وريحه باقيان، وتجد فيه أيضا أجساما صغارا نباتية مبثوثة كالهباء ولا ترسب وصار أرباب الحِمية يتجنبون شربه وإنما يشربون ماء الآبار، وأغليته بالنار ظنّا مني أنه يصلُح بذلك كما وصّى الأطباء أن يُفعل بالمياه المتغيّرة فزاد طمعه وريحه كراهة وسهكا فوجِدت عليه، ذلك أنّ الأجزاء النباتية التي هي مبثوثة فيه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015