لا جرم أني من جريمتي حذر، وعما وضحت به قيمتي للمجد معتذر، إلا أن يصوح من الروض نبته وجناته، ويصرح بالقبول حلمه وأناته، الحديث عن القديم شجون، والشأن بتقاضي الغريم شؤون، فلا غرو أن أطارحه إياه، وأفاتحه الأمل في لقياه، ومن لي بمقالة مستقلة، أو إخالة غير مخلة، أبت البلاغة إلا عمادها، وعلى ذلك فاستنبئ عمادها: درجت اللدات والأتراب، وخرجت الروم بنا إلى حيث الأعراب، أيام دفعنا لأعظم الأخطار، وفجعنا بالأوطان والأوطار، فإلام نداري برح الألم، وحتام نساري النجم في الظلم، جمع أوصاب ما له من انفضاض، ومضض اغتراب شذ عن ابن مضاض (?) ، فلو سمع الأول بهذا الحادث، ما ضرب المثل بالحارث، يا لله من جلاء ليس به يدان، وثناء قلما يسفر عن تدان، وعد الجد العاثر لقاءه فأنجز، ورام الجلد الصابر انقضاءه فأعجز، هؤلاء الخوان، مكثهم لا يمتع به أوان، وبينهم كنبت الأرض ألوان، بين هائم بالسرى، ونائم في الثرى، من كل صنديد بطل، أو منطيق غير ذي خطإ ولا خطل، قامت عليه النوادب، لما قعدت النوائب، وهجمت بيوتها لمنعاه الجماجم والذوائب، وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد، أسلمها الإسلام، وانتظمها الانتثار والاصطلام، حين وقعت أنسرها الطائرة، وطلعت أنحسها الغائرة، فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن:
كزعزع الريح صك الدوح عاصفها فلم يدع من جنى فيها ولا غصن
واهاً وآهاً يموت الصبر بينهما موت المحامد بين البخل والجبن
أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد ورقها وأغانيها، أين حلى رصافتها