يسبقه فعل من أجله يستهزأ بصاحبه من أجل ذلك الفعل، أمّا السّخرية فإنّها تكون بالفعل أو بالإشارة.
وتكون بالقول (?) ، ويسبقها في العادة فعل من أجله يسخر بصاحبه، ويتلخّص من ذلك أنّ بينهما فرقا من جهتين (?) : الأولى السّخرية تكون بالفعل وبالقول، والهزء لا يكون إلّا بالقول، الثّانية: أنّ السّخرية يسبقها عمل من أجله يسخر بصاحبه، أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك (?) .
قال القرطبيّ: قال سفيان الثّوريّ: الهمزة:
الّذي يهمز بلسانه، واللّمزة: الّذي يلمز بعينيه، وقال ابن كيسان: الهمزة الّذي يؤذي جلساءه بسوء اللّفظ واللّمزة: الّذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه (?) (سخرية به) .
ويقول يحيى المعلّميّ: الهمز: هو السّخرية من النّاس بالإشارة كتحريك اليد قرب الرّأس إشارة إلى الوصف بالجنون، أو الوغض بالعين رمزا للاستخفاف، أو نحو ذلك من الحركات واللّمز: هو السّخرية من النّاس بالقول، كتسمية الشّخص باسم يدلّ على عاهة فيه أو مرض، أو اتّهامه بخليقة سيّئة، أو التّعريض بذلك (?) .
قال الطّبريّ- رحمه الله تعالى- التّنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك، ولم يخصّص به بعض الألقاب دون بعض، وغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها (?) ، ولمّا كانت آية السّخرية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ.... (الحجرات/ 11) ، فيما يقوله أنس وابن زيد في نساء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عيّرن صفيّة بالقصر وقيل: نزلت في عائشة- رضي الله عنها أشارت بيدها إلى صفيّة، (قائلة) يا نبيّ الله إنّها لقصيرة، وقال عكرمة وابن عبّاس أنّ صفيّة بنت حييّ قالت: يا رسول الله: إنّ النّساء يعيّرنني ويقلن لي: يا يهوديّة (?) .. إلخ الحديث.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ التّنابز بالألقاب إنّما هو داخل في مفهوم السّخرية، كما دخل فيها مفهوم الهمز واللّمز. ومن ثمّ يكون ذكر اللّمز والتّنابز بعد ذكر