مصدر صبر يصبر وهو مأخوذ من مادّة (ص ب ر) الّتي تدلّ بحسب وضع اللّغة على معان ثلاثة: الأوّل الحبس، والثّاني: أعالي الشّيء، والثّالث:
جنس من الحجارة، وقد اشتقّ الصّبر المراد هنا من المعنى الأوّل وهو الحبس، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر أي حبستها، والمصبورة المحبوسة على الموت، ومن الباب ما ورد من نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن قتل شيء من الدّوابّ صبرا.
وقال الرّاغب: الصّبر: الإمساك في ضيق، يقال صبرت الدّابّة بمعنى حبستها بلا علف، ويقال صبر فلان عند المصيبة صبرا وصبّرته أنا حبسته. قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الكهف/ 28) أي احبس نفسك معهم.
وقال عنترة يذكر حربا كان فيها:
فصبرت عارفة لذلك حرّة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلّع
يقول: حبست نفسا صابرة (?) .
وقيل: أصل الكلمة من الشّدّة والقوّة، ومنه الصّبر للدّواء المعروف بشدّة مرارته وكراهته.
قال الأصمعيّ: إذا لقي الرّجل الشّدّة بكمالها قيل لقيها بأصبارها، وقيل مأخوذ من الجمع والضّمّ،
الآيات/ الأحاديث/ الآثار
103/ 48/ 13
فالصّابر يجمع نفسه، ويضمّها عن الهلع.
والتّصبّر: تكلّف الصّبر (?) .
أمّا الصّبر الجميل في قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السّلام- فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (يوسف/ 18) ، فالمراد به الصّبر الّذي لا جزع فيه ولا شكوى (?) ، وقال ابن جريج عن مجاهد إنّ المعنى: لا أشكو ذلك لأحد (?) .
وقال مجاهد أيضا: «الصّبر الجميل: الّذي لا جزع فيه» (?) وقال أبو حيّان: المعنى: أتجمّل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه، وعبوس الجبين، بل على ما كنت عليه معكم (من قبل) (?) وقال ابن تيميّة:
الصّبر الجميل هو الّذي لا شكوى فيه ولا معه» (?) .
قال الفيروز اباديّ: وربّما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النّفس لمصيبة سمّي صبرا، وإن كان في محاربة سمّي شجاعة، وإن كان في إمساك الكلام سمّي كتمانا، وإن كان عن فضول العيش سمّي زهدا (?) ، وإن كان عن شهوة الفرج سمّي عفّة، وإن كان عن شهوة طعام سمّي شرف نفس، وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمّي حلما (?) .
قال ابن القيّم: والاسم الجامع لذلك كلّه «الصّبر» وهذا يدلّك على ارتباط مقامات الدّين كلّها