اختلف نمو وتطوُّر الحركة الصهيونية في جاليشيا، عنها في القطاعات الأخرى من بولندا، اختلافاً بيَّناً. فعلى جانب كانت الحكومة النمساوية أكثر ليبرالية من الحكومة القيصرية في روسيا، وكانت الحركة الصهيونية من جانب آخر تطلب عون النمساويين والألمان من أجل تحقيق فكرة الوطن القومي اليهودي. وقد تطوَّرت الحركة الصهيونية في جاليشيا في صفوف دعاة حركة التنوير اليهودية. وبمعنى آخر، تأثرت الحركة الصهيونية في جاليشيا منذ البداية بالرؤية المعرفية الإمبريالية الكامنة في التنوير وبالبُعْد القومي الرومانسي الذي نشأ في دول الوسط في أوربا. وكانت إمبراطورية النمسا/المجر تعتبر اليهود جماعة دينية لا جماعة قومية. وفي خضم الصراع بين القوميات داخل الإمبراطورية، حاول البولنديون ضم أعضاء الجماعة اليهودية لصفوفهم من أجل التفوق على الأوكرانيين عددياً، كما حاول الأوكرانيون فعل الشيء نفسه. بيد أن هذا الاتجاه لاقى معارضة كبيرة من جانب الصهاينة الاستيطانيين الذين نظروا لهذا الاتجاه على أنه تكريس للاندماج، وأصروا على أن هدف الصهيونية هو الهجرة إلى فلسطين ومن ثم أصروا على أن يقتصر دورها في البلاد الأخرى على الجانب التثقيفي والمالي اللازم لتحقيق الهدف الأساسي، أي الاستيطان في فلسطين. من ثم، فقد وصل مؤتمر كراكوف عام 1906 إلى نوع من الحل التوفيقي في هذا المضمار حيث أنيط بالحزب القومي اليهودي الذي كان حديث النشأة مسئولية الدفاع عن حقوق اليهود (المدنية والسياسية) ، بينما أنيط بالمنظمة الصهيونية مهمة جَمْع المال والتثقيف الصهيوني. وقد كان مؤتمر كراكوف هذا حلبة خاصة لصهاينة جاليشيا رغم أنه كان، من الناحية النظرية، يمثل سائر الاتجاهات الصهيونية في النمسا. وفي عام 1907، نجح الحزب القومي اليهودي الذي كان مجرد واجهة في إرسال أربعة من ممثليه إلى أول برلمان نمساوي، كان ثلاثة منهم من جاليشيا والرابع من بوكوفينا. وفي خضم هذا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015