وهذا هو الواقع، فقد ذب الإمام ابن عساكر عن الأشعري، واعتمد في الذب عنه على (الإبانة)؛ فذكر منها نصا طويلا يستغرق (25) صفحة، وسكت عليه الكوثري؛ وهذا النص موجود بحرفه ونصه وفصه - في كتاب (الإبانة) للأشعري وهكذا فعل أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس (659هـ)؛ فقد ألف كتابا في الذب عن الأشعري، وجل اعتماده في الذب عنه على كتاب (الإبانة) وحقق نسبته إليه.

الرابع: أن الإمام الأشعري ذكر عقيدة أهل الحديث والسنة المحضة ثم قال: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب). ثم بعد ذلك ذكر عقيدة الكلابية. فهذا برهان قاطع على أنه رجع عن دوره الكلابي إلى عقيدة أهل السنة المحضة.

والحاصل: أن الأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم أمثال أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني (438هـ) والرازي (606هـ) والآمدي (631هـ) ليسوا من أهل السنة المحضة، ولا تصح نسبتهم لا إلى السلف عامة، ولا إلى الأشعرية خاصة.

بل هي فرقة كلامية مبتدعة تحمل أمشاجا من أفكار مختلفة أخذوها من الجهمية الأولى، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، مع ما عندهم من الحق الذي أخذوه من الكتاب والسنة؛ فهم واسطة بين أهل السنة وبين تلك الفرق المبتدعة؛ فهم كبقية الفرق المبتدعة من أهل القبلة، وليسوا بأهل السنة المحضة وإن صح بإطلاق أهل السنة عليهم بالمعنى العام في مقابلة الروافض والخوارج ونحوهم ولابد من معرفة الفرق بين هذين الاصطلاحين.

ولذلك ترى شيخ الإسلام يذكر الأشعرية في عداد من يلحد أسماء الله تعالى وآياته ويطلق عليهم اسم " الجهمية " ويحكم عليهم بأنهم أقرب فرق الجهمية إلى أهل السنة؛ بل يقرر فيهم: أن المعتزلة مخانيث الجهمية، والفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة، وأن المعتزلة والجهمية الذكور، وأن الأشعرية الجهمية الإناث - يعني الأشعرية المتأخرة الذين ينفون الصفات الخبرية. ثم يقول شيخ الإسلام: (وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرية بدعة لاسيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب الشر) (?).ويقول فيهم في بعض المناسبات: (إنهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا): وإنهم يسفسطون في المعقولات، ويقرمطون في السمعيات) (?).

فأنى لهؤلاء أن يكونوا من أهل السنة، ومن أراد معرفة حقيقة هؤلاء بالتفصيل فعليه بكتب شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - ومن الكتب الحديثة رسالة (منهج الأشاعرة في العقيدة). للدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي - حفظه الله - وبالله التوفيق.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015