لابد لمن يتصدى للتعريف بالمذهب الدرزي، من أن يلقي الضوء على شخصية ذلك الرجل الذي يدعي أتباعه الدروز، أن اللاهوت ظهر في صورته الناسوتية.
هذا الرجل هو أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي، والذي لقب بـ (الحاكم بأمر الله).
ولد الحاكم بأمر الله سنة 375 هـ الموافق لعام 985 م، وقد تولى الملك بعد موت أبيه مباشرة في رمضان سنة 386 هـ، وكان سادس الملوك العبيديين. ولكي تتمكن من أخذ فكرة واضحة قدر الإِمكان عن حياة هذا الحاكم الغامض، قسمنا حياته إلى ثلاثة أقسام أو أدوار (?)، متمايزة عن بعضها تمام التمايز. فالدور الأول: وهو دور حداثته، يبدأ من توليه الملك في الحادية عشرة من عمره، وينتهي بمقتل (برجوان) (?) في سنة 390 هـ الموافق لعام (1000 م).
ويبدأ الدر الثاني: من تاريخ هذا الحادث حتى سنة 408 هـ الموافق لعام (1017 م)، وهي السنة التي ادعى فيها الألوهية على يد حمزة بن علي.
أما الدور الثالث: فيبدأ من سنة 408 هـ، حتى اختفائه ومقتله سنة 411 هـ الموافق لعام (1021).
الدور الأول من سنة 386 – 390 هـ (996 – 1000 م): (ولي الحاكم بأمر الله الخلافة حدثا دون الثانية عشرة، في نفس اليوم الذي مات فيه والده (العزيز)، وكانت أمه أم ولد (?)، وقد كانت حسبما تقول الرواية النصرانية المعاصرة، جارية رومية نصرانية من طائفة الملكية، وكان لها أيام العزيز نفوذ عظيم في الدولة، وكان لهذا النفوذ أثره بلا ريب في سياسة التسامح (?) الواضح التي اتبعها العزيز نحو النصارى، وفي تقوية جانبهم ونفوذهم، وتمكنهم من مناصب النفوذ والثقة) (?)
وأوصى العزيز قبل موته بولده ثلاثة من أكابر رجال الدولة وهم: (برجوان الصقلبي خادمه وكبير خزائنه، والحسن بن عمار زعيم كتامة، أقوى القبائل المغربية، وعماد الدولة الفاطمية منذ نشأتها، ومحمد بن النعمان قاضى القضاة، وكانت الوصاية الفعلية إلى الأول والثاني، ولم يلبث أن نشب الخلاف بين الرجلين واشتدت المنافسة بينهما.
وقام ابن عمار بتدبير الشؤون بادئ ذي بدء، ولقب في سجل تعيينه بأمين الدولة، وظهر ابن عمار بمظهر الطاغية المطلق، فكان يدخل القصر ويغادره راكبًا، وألزم جميع الناس بالترجل له، وأغلق بابه إلا على الخاصة والأكابر من شيعته. وأخيرًا وقع الانفجار، ووثبت جماعة كبيرة من الزعماء والجند بتحريض برجوان وتدبيره، وهاجمت الكتاميين في ظاهر القاهرة وأثخنت فيهم، فتوارى ابن عمار حينًا، واضطر أن يترك الميدان حرًا لمنافسه، عندئذ قبض برجوان على زمام الأمور) (?). (وأوصبح لبرجوان مطلق السلطان، وركبه الزهو والغرور، وانغمس في الملذات ينعم بثروته الطائلة) (?).