ثم يقال لهم: إذا عادت الصفتان إلى العلم - وقد أثبتم اتحاد متعلق العلم والكلام، عادت الصفات الأربع إلى صفة واحدة فيحصل بهذا زيادة تقارب مع المعتزلة! الوجه الثاني: يقال للأشاعرة: إذا كنتم متبعين للشرع حقاً في إثبات صفتي السمع والبصر فأين الدليل النقلي الذي يدل على اتحاد متعلقهما؟ ولا دليل لهم-. ثم هذه ثلاثة أدلة عامة تثبت التمييز بين صفتي السمع والبصر (?):
1 - ظاهر القرآن يدل على أن متعلق السمع ما من شأنه أن يسمع - وهو القول، قال الله تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: 181]، وقال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1].2 - إن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا أن السمع هو إدراك المسموعات، فمن ذلك قول عائشة رضي الله عنها: ((سبحان الذي وسع سمعه الأصوات)) (?)، ولم نقل الأصوات والمبصرات .. وهم أعرف الناس بربهم، وأعرف باللغة، مما يؤكد أن الأشاعرة لم يوافقوا اللغة ولا السلف ولا القرآن في ذلك.3 - قد ورد الجمع بين السمع والبصر في جملة واحدة مما يدل على الفرق، كما في قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46]، والمعنى: أسمع القول وأرى العمل وإلا لما كانت فائدة من الجمع، قال ابن كثير في معنى الآية: " ... فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه" (?). ولما ناقش الدارمي بشراً المريسي قال: " .. ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46]، إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ [الشعراء: 15]، وقال: لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: 77] ففرق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السماع والصوت: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1]، ولَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: 181]، ولم يقل قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها، وقال في موضع الرؤية: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: 218 - 219]، وقال وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ [التوبة: 105]، ولم يقل: يسمع تقلبك ويسمع الله عملكم، لم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، لما أنهما عنده خلاف ما عندك" (?).