الجهة الثانية: وقوع التفاضل من جهة فعل العبد. وكلام شيخ الإسلام في تقرير التفاضل في هذه الجهة كثير، حيث ذكر أن التفاضل في الإيمان من هذه الجهة يكون من وجوه متعددة، ذكر منها ثمانية وجوه (?)، وهذا تلخيص لها:
الوجه الأول: زيادة الأعمال الظاهرة ونقصانها. فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان (?).
الوجه الثاني: زيادة أعمال القلوب ونقصها. فأعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله تعالى، وخوفه، ورجائه، وإخلاص الدين له، والتصديق بأخباره، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وسلامة القلوب من الرياء، والكبر، والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق، والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، كلها من الإيمان وهي مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلا عظيما (?).ويقوى كذلك كلما ازداد العبد تدبر للقرآن، وفهما ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغالا به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب (?).وقد جاء في الصحيحين عن النبي ص أنه قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوهله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) (?).
وقال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ إلى قوله: َحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ [التوبة: 24].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله إني لأخشاكم لله)) (?)، وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده. ووالده، والناس أجمعين)) (?)، وقال له عمر ((يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فلأنت أحب إلى من نفسي، قال: الآن يا عمر)) (?).
وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية، وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: 165].
وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة.