وقد يخطر على بالك أن قوله تعالى: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} يدل على أن التطوف بالصفا والمروة مطلوب للشارع، ومعدود من الطاعات التي أقل درجاتها الندب، وقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} يقتضي رفع الإثم عن المتطوف بهما، والتعبير برفع الإثم عن الشيء يأتي في مقام الدلالة على إباحته، فما هو الأمر الداعي إلى أن يقال في هذه الشعيرة: لا إثم على من يفعلها؟ ويرفع هذا الاستشكال بالوقوف على سبب نزول الآية، وهو أن الأنصار كانوا في الجاهلية يُهِلّون "يُحرِمون" لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة من أجل صنمين، وهما: أساف، ونائلة، كانا عليهما، فلما جاء الإسلام، تحرجوا من الطواف بينهما. في "صحيح البخاري" عن عاصم، قال: قلت لأنس بن مالك - رضي الله عنه -: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} , فاستبان بهذا أن الآية وردت لدفع التحرج الذي كان يتردد في صدور الأنصار من التطوف بالصفا والمروة.
{وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}:
{تَطَوَّعَ}: من التطوع، وهو فعل الطاعة، فريضة كانت أو نافلة. و {خَيْرًا}: أصله بخير؛ لأن تطوع إنما يتعدى بالباء، ولا يتعدى بنفسه، ثم حذفت الباء في نظم الكلام؛ نحو: أمرتك الخيرَ، والأصل: أمرتك بالخير، وذلك معنى قول علماء العربية: كذا منصوب بنزع الخافض. و {شَاكِرٌ}: من الشكر، وشكر الله لعباده: جزاؤهم على ما يعملونه من الصالحات ابتغاء مرضاته الجزاء الأوفى. والمعنى: ومن أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، فاز