وإيراد شهادة الأمة المسلمة على الناس مورد العلة لجعلهم وسطاً لا ينفي أن يكون هناك حكمة أو حكم أخرى تترتب على جعلهم أمة خياراَّ عَدولاً. وينتزع من الآية حكم ظاهر هو أن الشهادة لا تقبل إلا من العدول. والعدل: من يجتنب الكبائر من المعاصي جملة، ويتقي صغائرها في أغلب أحواله، ولا يأتي ما يقدح في مروءته.
وقال الفقهاء؛ حرصاً على عدم إضاعة الحقوق: ولو اتفق أن كان أهل البلد كلهم فساقاً، لأقمنا للشهادة عليهم أقلَّهم فسقاً.
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}:
الجعل هنا بمعنى: الشرع؛ والمراد من القبلة: بيت المقدس، فيكون في الآية دليل على أن الاتجاه إلى بيت المقدس كان بأمر من الله؛ كما ورد صريحاً في بعض الروايات، وهذه الآية جاءت لبيان حكمة الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس قبل أن تجيء الآية الناسخة لها. والحكمة: ما أرشد الله تعالى إليه بقوله: {لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}، والانقلاب: الارتداد. والعقب: مؤخر القدم. ومعنى الانقلاب على العقب: الارتداد عن الإسلام. والمعنى: ما شرعنا التوجه إلى بيت المقدس إلا لنعلم من يتبع الرسول، ويأتمر بأوامره في كل حال، متميزاً ممن لم يدخل الإيمان في صميم قلبه، وإنما دخل في الدين، ووقف منه على حرف؛ بحيث يرتد عنه بأدنى شبهة؛ والله عالم بكل شيء، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبي مشاهداً في العيان؛ إذ تعلَّق العلم بالشيء واقعاً في العيان هو الذي تقوم عليه الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب.