تركوا الحبشة توجهوا مباشرة إلى المدينة. أما ابن هشام والطبرى فلا يتحدثان إلا عن هجرة واحدة للمسلمين من مكة إلى الحبشة. غير أن كافة هذه الروايات تتفق على أن اضطهاد المسلمين فى مكة كان إلى حدّ كبير وراء قرار محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] أجمع إرسال عدد من أتباعه يطلبون المأوى بين مسيحيى الحبشة، أما مونتجومرى وات فيذهب فى كتابه "محمد فى مكة" إلى أن الأمر أكثر تعقيدا مما توحى به الروايات الإسلامية، وأن ثمة ما يوحى بأن نوعا من الخلاف قد دب بين المسلمين ولعب دورًا فى هذه الهجرة، وأن بعض المهاجرين ربما توجه إلى الحبشة لممارسة التجارة، ربما لمنافسة العائلات التجارية الكبيرة فى مكة. ويقول عروة ابن الزبير إن معظم هؤلاء المهاجرين عادوا إلى مسقط رأسهم حين قوى الإسلام بدخول عدد من ذوى النفوذ فيه، مثل عمر بن الخطاب وحمزة.
غير أن ثمة قصة مختلفة عن عودتهم إلى مكة كانت محل جدل كبير. فالطبرى يذكر أنه أثناء تلاوة محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] لسورة النجم بحضور عدد من مشركى مكة. وحين وصل فى تلاوته إلى أسماء ثلاثة من آلهتهم المفضلة، وهى اللات والعزى ومناة نطق الشيطان على لسانه جملتين قصيرتين هما: "تلك الغرانيق العلا. وإن شفاعتهن لترتجى" (?) وقد فسر المشركون هاتين الجملتين على أن محمدا [-صلى اللَّه عليه وسلم-] اعترف بآلهتهم وبجدوى شفاعتها عند اللَّه الذى يعتبرونه كبير الآلهة، فسجد الحاضرون منهم مع المسلمين بعد انتهاء تلاوة السورة بآية {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} وتقول الرواية إن ذلك أدى إلى مصالحة عامة بين محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] وأهل مكة وإن المسلمين الذين كانوا قد