وهذه النزعة رفعت صوتها فى كثير من الأحيان مناهضة لمراوغات علم الكلام ودقائقه، ومناهضة للإسراف فى الثقة بالأدلة العقلية أو الجدلية. وقد أباح الأنصارى فى كتابه "ذم الكلام" للمسلم الانصراف عن تفسير الصفات الإلهية وألا ينزلق إلى الطريق المسدود الذى انزلق إليه الأشاعرة يضعون الحواشى على النصوص ويفرقون بين الصفة وحال وجودها (انظر هذا الشاهد عند الأنصارى فى ابن تيمية: الفتاوى، جـ 5، ص 275 - 278). وشخصية الأنصارى الصوفى نفسها كافية لبيان أن وجود نزعة للاستمساك بسنة السلف الصالح لايبرر إنكار التصوف جملة كما يحدث كثيراً اليوم، فيخلطه فى يسر بين "وحدة الشهود"، و"وحدة الوجود" وبين وحدة الوجود وانحرافات جماعات الطرق.

والذى يبقى ثابتاً مؤكداً هو الاعتقاد فى الله المتعالى يكلم الناس على لسان أنبيائه ورسله عليهم السلام، ولا يكشف عن ذاته بأكثر من الأسماء الحسنى التى هى "حجاب الاسم"، وهى عقيدة لا تسأل الله أن يجلو عن ذاته وتستمسك بكلمته وتسلم له تعالى، وذلك بفعل تفرد الله به ويكون شاهداً على قدرته وعلى مسئولية عباده عما يفعلون. ومن ثم فإن ما ينطوى عليه المؤمن هو حقاً تسليم نفسه تسليماً كلياً لا تشوبه شائبة فى تهجده لله الذى لا يسأله عما يفعل وإنما يعرف من كلمته تعالى أنه أحكم الحاكمين والمعين الذى ليس معه معين.

والظاهر أن هذا الذى ينطوى عليه المؤمن وأجملنا القول فيه فيما سبق هو أبرز علامات عقيدة المسلم فى الله، وأنه أولاً وقبل كل شئ هو ما يكنه المسلم فى قلبه عندما يجهر باسم الله. وما من تفصيل يقتضيه الأمر هنا. ففى كل عصر وجد "أحرار فى الفكر" و"متشككون" و"منكرون"، وفى كل عصر قامت أبحاث عقلية فى الإلهيات كما كثر فى الإسلام الكلام عنها فى غير اتصال. ويظهر أن الفكر المعاصر قد تنازعته من جميع الجهات اتجاهات مختلفة من الفلسفات الحديثة كما تنازعه من قبل الفكر اليونانى والفكر الإيرانى. وقد يكون الوقت الآن يقتضى قيام كلام جديد أو قل مذهب جديد فى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015