المعتزلة (كفاية الأسباب قدرة يخلقها الله)، ويخالف الحتمية المحضة للعلل التى قال بها الفلاسفة، (السنوسى: المقدمة، الجزائر سنة 1908, ص 108 - 109؛ الباجورى: الكتاب المذكور، ص 58). أما الأشاعرة فلا أثر عندهم للكفاية فى الأسباب، إذ الله لم يكتب الدوام للوجود، وإنما هو سلسلة غير متصلة من خلق يحدث فى كل وقت، وسلسلة زمنية من تحقق القضاء الأزلى. ففى كل وقت يخلق الله ثم يخلق العالم والكل الفانى المتوحد عرضاً، الذى هو الإنسان وكل فعل من أفعاله. وعالم الأفعال "الحرة" هو والكون فى كليته سلسلة غير متصلة من قدر الله الذى لا يدرك، وما العلل إلا الوسائل أو الدلائل على إرادة الله، والشريعة هى "سنة الله". (وظل هذا المصطلح مستعملاً عند محمد عبده فى رسالة التوحيد، القاهرة سنة 1353 هـ، ص 7)؛ إنها هى السنة التى يستطيع بها الله فى جميع الأحوال أن يبدل كما فعل مثلاً حينما شاء أن يأتى بالبرهان على رسالة رسله عليهم السلام فجاء "بالمعجزات".

وعند معظم الأشاعرة -ولا نقول كلهم على الإطلاق- نظرية فى الكون تتفق مع نظرية عدم استمرار الأشياء. وكل شئ حشد من ذرات متصلة أو منفصلة أو متحدة بقدر الله. وإذا كان حقاً أن الباقلانى (القرن الرابع الهجرى = القرن العاشر الميلادى) قد قال بأن نظرية الذرات مساوية فى "الجوهر" (ماسينيون) للعقائد التى جاء بها القرآن، فإنه فى رأينا قد بالغ حتى رأى فى ذلك ما يمثل نظرة الأشاعرة المأثورة عنهم أصدق تمثيل، بل يمثل أكثر من ذلك مذهب جميع أهل السنة فى الإسلام. وهذه النظرية الطبيعية الكلامية فى الذرة هى فى الواقع معتزلية الأصل (أبو الهذيل؛ انظر أبحاث Horten & Pines) وتتفق إذن كبير اتفاق مع "القدرة" التى اهتدى أنها للإنسان على أفعاله. وثمة نزعة متميزة عرف بها الأشاعرة، الباقلانى، والإيجى، والجرجانى (مع بعض الخلافات) وعرف بها المحافظون الجامدون، مثل السنوسى، واللقانى، والباجورى، فقد ظل هؤلاء يأخذون

طور بواسطة نورين ميديا © 2015