فِي الْآيَتَيْنِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ يَسْبِقُ (?) إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ.
وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا قَطُّ قَالَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ وَنَحْوَهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَالزُّبَيْرُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ. وَلَا قَالَ مَنْ يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ [الْعِلْمِ] (?) : إِنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ.
وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ بِالسَّبْقِ إِلَى الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَصُّ بِهَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُجَاهِدْ قَبْلَهُ أَحَدٌ: لَا بِيَدِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ حِينِ آمَنَ بِالرَّسُولِ يُنْفِقُ مَالَهُ وَيُجَاهِدُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَاشْتَرَى مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُجَاهِدُ مَعَ الرَّسُولِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ (?) وَبَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ (?) . كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 52] فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَسْبَقَ النَّاسِ وَأَكْمَلَهُمْ فِي أَنْوَاعِ الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ (?) فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ - أَبُو بَكْرٍ» (?) . وَالصُّحْبَةُ بِالنَّفْسِ، وَذَاتُ الْيَدِ هُوَ الْمَالُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَنُّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ.