وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ عُيُوبِ بَاطِلِ غَيْرِهِمْ وَذَمَّهِ مَا قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ تَنَازُعُهُمْ فِي مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. فَالْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: صَاحِبُ الْكَبَائِرِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ. ثُمَّ الْخَوَارِجُ تَقُولُ: هُوَ كَافِرٌ، وَالْمُعْتَزِلَةُ تُوَافِقُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الِاسْمِ. وَالْمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ تَامُّ (?) الْإِيمَانِ، لَا نَقْصَ فِي إِيمَانِهِ، بَلْ إِيمَانُهُ كَإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. وَهَذَا نِزَاعٌ فِي الِاسْمِ. ثُمَّ تَقُولُ فُقَهَاؤُهُمْ مَا تَقُولُهُ الْجَمَاعَةُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ: فِيهِمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَدْخُلُ. كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
فَهَؤُلَاءِ لَا يُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فِي حُكْمِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يُنَازِعُونَهُمْ فِي الِاسْمِ. وَيُنَازِعُونَ أَيْضًا فِيمَنْ قَالَ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْمُرْجِئَةِ تَقُولُ: لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا (?) مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يَدْخُلُهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا جَمِيعُ الْفُسَّاقِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ دُخُولُ بَعْضِهِمْ. وَيَقُولُونَ: مَنْ أَذْنَبَ وَتَابَ لَا يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَيْضًا، فَهُمْ يَقِفُونَ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلِهَذَا سُمُّوا الْوَاقِفَةُ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
فَيَحْتَجُّ أُولَئِكَ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ وَعُمُومِهَا، وَيُعَارِضُهُمْ هَؤُلَاءِ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَعُمُومِهَا. فَقَالَ أُولَئِكَ: الْفُسَّاقُ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَعْدِ، لِأَنَّهُمْ (?) لَا