قطّ ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء.. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛ ...
قال له «إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله تعالى» !! لأجل تأليفه في الإسلام، مع عذره؛ لاحتمال أنّها جرت على لسانه من غير أن يقصد بها الطعن في القسمة،
وقد عفا أيضا عمّن رفع صوته عليه، لكونه طبعا وسجيّة له؛ كما هو عادة جفاة العرب. وعمّن جذبه بردائه حتّى أثّر في عنقه الشريف؛ وقال: إنّك لا تعطيني من مالك، ولا من مال أبيك!! فضحك وأمر له بعطاء!! لما كان عليه من مزيد الحلم والصبر، والاحتمال، فلو انتقم لنفسه لم يكن عنده صبر، ولا حلم، ولا احتمال، بل يكون عنده بطش وانتقام.
(قطّ) أبدا (ما لم ينتهك) - مبني للمفعول- أي: يرتكب (من محارم الله شيء) حرّمه الله، وهذا كالاستثناء المنقطع، لأنه في هذه الحالة ينتصر لله، لا لنفسه، وإنّما ناسب ما قبله!! لأنّ فيه انتقاما ما في الجملة.
(فإذا انتهك) أي: ارتكب (من محارم الله شيء) حرّمه الله؛ (كان من أشدّهم) أي: أشدّهم «من» زائدة (في ذلك) أي: لأجل ذلك (غضبا) ، فينتقم ممّن ارتكب ذلك لصلابته، فإن العفو عن ذلك ضعف ومهانة.
ويؤخذ من ذلك: أنّه يسنّ لكل ذي ولاية التّخلّق بهذا الخلق، فلا ينتقم لنفسه، ولا يهمل حقّ الله عزّ وجلّ. (وما) - رواية الشيخين: ولا- (خيّر) بلفظ المبنيّ للمجهول (بين أمرين) أي: من أمور الدنيا، بدليل قوله: «ما لم يكن مأثما» لأنّ أمور الدين لا إثم فيها.
(إلّا اختار أيسرهما) : أسهلهما وأخفّهما، فإذا خيّره الله في حقّ أمّته بين وجوب الشيء وندبه؛ أو حرمته؛ أو إباحته اختار الأيسر لهم، وكذلك إذا خيّره الله في حقّ أمّته بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد، فيختار الأسهل لهم؛ وهو الاقتصاد.