إن أرقى الأمم في العهد الحاضر لا تزال في مجال محاولتها الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبو حبوا إذا ما قسنا محاولتها بما وضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في خطبته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري الذي بموجبه فرض الإسلام على المحارب المسلم أن يعامل به أعداءه في ظروف الحرب.
لقد كان تطبيق صحابة محمد لهذا الدستور الحربى من أعظم الأسباب التي حببت الإسلام إلى نفوس غير المسلمين. فدخلوا فيه طائعين مختارين فرحين مستبشرين. لأنهم رأوا حقيقة الإسلام متمثلة في سلوك أولئك الأصحاب الكرام. الذين ربّاهم القرآن وأدبهم الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا فالمنتسب إلى الإسلام (بسلوكه) يستطيع أن يسئ أو يحسن إلى هذا الدين، أمام من لا يعرفه على حقيقته.
وقد عقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - اللواء لقائد الجيش وكان لونه أبيض. ووقف المسلمون يودعون الجيش ويدعون لهم قائلين دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين.
وهكذا فصل من المدينة ثلاثة آلاف مقاتل من خيرة المحاربين المسلمين. وهو أكبر جيش يجتمع للنبي - صلى الله عليه وسلم - تحت قيادة واحدة حتى ذلك اليوم.
وكان قادة الجيش يحاولون (كما هي طريقة الرسول) الكتمان وأخذ الأعداء في الشام على حين غرة. ولكن يظهر أن الطابور الخامس من اليهود والمنافقين في المدينة. قد طيروا خبر حشد المسلمين وتحركهم نحو الشام ليأخذوا حذرهم.