* وأمَّا في حقِّ العبد، فإنكم جعلتموه مأمورًا منهيًّا من غير أن يكون له فعلٌ يُؤمَرُ به ويُنهى عنه. فأيُّ قَدَرِيَّةٍ أبلغُ من هذه؟ !

فمن الذي تضمَّن قولُه إبطالَ الشَّرائع وتعطيلَ الأوامر؟ !

فليتنبَّه اللبيبُ لمَواقع (?) هذه المساجَلة، وسهام هذه المناضَلة، ثمَّ ليَخْتَر منهما إحدى خُطَّتين، ولا والله "ما فيهما حظٌّ لمختار" (?).

ولا ينجو من هذه الوَرَطاتِ إلا من أثبت كلامَ الله القائمَ به، المتضمِّنَ لأمره ونهيه ووعده ووعيده، وأثبت له ما أثبت لنفسه من صفات كماله، ومن الأمور الثُّبوتيَّة القائمة به، ثمَّ أثبت مع ذلك فعلَ العبد واختيارَه ومشيئتَه وإرادتَه التي هي مناطُ الشرائع ومتعلَّقُ الأمر والنهي، فلا جَبْريٌّ ولا جهميٌّ ولا قَدَريٌّ.

وكيف يختارُ العاقلُ آراءً ومذاهبَ هذه بعض لوازمها؟ ! ولو صابَرها إلى آخرها لاستبانَ له من فسادها وبطلانها ما يتعجَّبُ معه من قائلها ومُنْتَحِلها، والله الموفِّق للصَّواب.

الوجه الثَّاني والخمسون: قولكم: "إنه ما مِن معنًى يُستَنبطُ من قولٍ أو فعلٍ ليُربَط به معنًى مناسبٌ له إلا ومن حيث العقلُ يعارضُه معنًى آخرُ يساويه في الدَّرجة أو يفضُل عليه في المرتبة، فيتحيَّر العقلُ في الاختيار، إلى أن يَرِدَ شرعٌ يختارُ أحدَهما أو يرجِّحُه من تلقائه، فيجبُ على العاقل اعتبارُه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015