كيف والخلقُ عاجزون عمَّا يَقْدِرُون عليه من الأفعال إلا بإقداره وتيسيره وخلقه، فكيف بما لا يَقْدِرون عليه؟ !

فكيف يبلُغوا (?) نفعَ الغنيِّ الصَّمد الذي يمتنعُ في حقِّه أن يَسْتَجْلِبَ من غيره نفعًا أو يَسْتَدْفِعَ منه ضررًا، بل ذلك مستحيلٌ في حقِّه؟ !

ثمَّ ذَكَر بعد هذا قوله: "يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجَر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقصَ ذلك من ملكي شيئًا"؛ فبيَّن سبحانه أنَّ ما أمرهم به من الطَّاعات، وما نهاهم عنه من السيِّئات، لا يتضمَّنُ استجلابَ نفعهم، ولا استدفاعَ ضررهم؛ كأمر السيِّد عبدَه، والوالد ولدَه، والإمام رعيَّتَه، بما ينفعُ الآمرَ والمأمور، ونهيِهم عمَّا يضرُّ النَّاهي والمنهيَّ؛ فبيَّن تعالى أنه المنزَّه عن لحوق نفعهم وضرِّهم به، في إحسانه إليهم بما يفعلُه بهم، وبما يأمرُهم به.

ولهذا لمَّا ذَكَر الأصلَيْن بعد هذا، وأنَّ تقواهم وفجورَهم الذي هو طاعتُهم ومعصيتُهم لا يزيدُ في مُلكه شيئًا ولا ينقُصه، وأنَّ نسبة ما يسألونه كلُّهم إياه فيعطيهم إلى ما عنده كَلا نسبة؛ فتضمَّن ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدَّعوات، وغفران الزلَّات، وتفريج الكُربات، لاستجلاب منفعةٍ، ولا لاستدفاع مَضرَّة، وأنهم لو أطاعوه كلُّهم لم يزيدوا في مُلكه شيئًا، ولو عصَوه كلُّهم لم ينقُصوا من مُلكه شيئًا، وأنه الغنيُّ الحميد.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015