وَفِي قَلْبِهِ نَارُ الأَسَى تَتَضَرَّمُ

أَمَا والذِي حَجَّ المُحِبُّونَ بَيْتَهُ ... وَلَبُّوا لَهُ عندَ المَهَلِّ، وَأَحْرَمُوا

وَقَدْ كَشَفُوا تِلكَ الرُؤوسِ تَواضُعًا ... لِعِزَّةِ من تَعْنُو الوُجوهُ وَتُسلِمُ

يُهلُّونَ بالبَيْدَاءِ: لَبَّيكَ رَبَّنَا ... لك المُلْكُ والحَمْدُ الذِي أَنْتَ تَعلَمُ

دَعَاهُم فَلَبَّوهُ رِضىً وَمَحبَّةً ... فلما دَعَوْهُ كانَ أَقْرَبَ مِنْهُمُ

تَراهُم على الإِنْضَاءِ شعثًا رُءوسُهُم ... وغبرًا وهم فيها أَسَرُّ وأَنْعَمُ

وَقَدْ فَارَقُوا الأَوْطَانَ والأَهْلَ رَغْبَةٌ ... ولم يَثْنِهِم لِذَاتُهُم والتَّنعُّمُ

يَسِيرُونَ من أَقْطَارِهَا وَفِجَاجِهَا ... رِجالاً وَرُكبانًا، ولله أَسْلَمُوا

ولما رَأَتْ أَبصَارُهُم بَيْتَهُ الذِي ... قُلُوبُ الوَرَى شَوقًا إليه تَضَرَّمُ

كأنَّهُم لم يَنْصِبُوا قطُّ قَبْلَهُ ... لأن شَقاهُم قد تَرحَّلَ عنهُمُ

فللهِ كمْ من عِبرةٍ مُهَرَاقَةٍ ... وأخرَى على آثَارِهَا تَتقدَّمُ

وَقَدْ شَرِقَتْ عَينُ المُحِبِّ بِدَمْعِهَا ... فينظرُ من بَيْنِ الدُّمُوعِ، وَيُسْجِمُ

إذا عَايَنَتْهُ العَينُ زَالَ ظَلامُهَا ... وَزَالَ عن القَلبِ الكَئِيْبِ التَّألُمُ

ولا يَعرِفُ الطَّرفُ المُعاينُ حُسنَهُ ... إلى أن يَعُودَ الطَّرفُ والشَّوقُ أعظَمُ

ولا عَجبٌ من ذَا فَحِيْنَ أَضَافَةُ ... إلى نفسهِ الرَّحمنُ، فهو المُعظَّمُ

كَساهُ من الإِجلالِ أعظمَ حُلَّةٍ ... عليها طِرازٌ بالمَلاحَةِ مُعلَمُ

فَمِنْ أَجْلِ ذَا كلُّ القُلُوبِ تُحِبُّهُ ... وَتَخْضَعْ إِجْلالاً له وَتُعَظِّمُ

رَاحُوا إلى التَّعريفِ يَرجُونَ رَحْمَةً ... وَمَغفرةً ممنْ يَجُودُ ويُكْرِمُ

فَللهِ ذاكَ المَوقفُ الأعظمُ الذِي ... كَموقِفِ يومَ العَرضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ

وَيَدنُو بِهِ الجَبَّارُ جلَّ جَلالُهُ ... يُباهِي بهم أَمْلاكَهُ فهو أَكْرَمُ

يقولُ: عِبادِي قد أَتَونِي مَحَبَّةً ...

طور بواسطة نورين ميديا © 2015