السّيْرَ، فَخَرَجْت يَوْمًا مِنْ مَكّةَ كَأَنّي أُرِيدُ الْبَادِيَةَ الّتِي كُنْت فِيهَا، فَلَمّا رَجَعَ مَنْ تَبِعَنِي خَرَجْت حَتّى انْتَهَيْت إلَى الطّرِيقِ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَالَ:
أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَقُلْت: حَاجَتِي، فَمَا مَسْأَلَتُك وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ. فَلَمّا ذَكَرَ خُزَاعَةَ اطْمَأْنَنْت إلَيْهِ، لِدُخُولِ خُزَاعَةَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَقْدِهِ، فَقُلْت: إنّي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أُرِيدُ اللّحُوقَ بِرَسُولِ اللهِ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالطّرِيقِ. فَقَالَ: أَهْلُ اللّيْلِ وَالنّهَارِ [ (?) ] ، أَنَا صَاحِبُك حَتّى أُورِدَك الْمَدِينَةَ. ثُمّ جَاءَنِي بِبَعِيرٍ فَرَكِبْته، فَكَانَ يَقُودُ بِي الْبَعِيرَ، لَا وَاَللهِ مَا يُكَلّمُنِي كَلِمَةً، حَتّى إذَا أَنَاخَ الْبَعِيرَ تَنَحّى عَنّي، فَإِذَا نَزَلْت جَاءَ إلَى الْبَعِيرِ فَقَيّدَهُ فِي الشّجِرَةِ وَتَنَحّى عَنّي [ (?) ] فِي الشّجَرَةِ، حَتّى [إذَا] كَانَ الرّوَاحُ جَذَعَ [ (?) ] الْبَعِيرُ فَقَرّبَهُ وَوَلّى عَنّي، فَإِذَا رَكِبْته أَخَذَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَرَاءَهُ حَتّى نَنْزِلُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا مِنْ صَاحِبٍ! فَكَانَتْ تَقُولُ: نِعْمَ الْحَيّ خُزَاعَةُ! قَالَتْ: فَدَخَلْت عَلَى أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُنْتَقِبَةٌ فَمَا عَرَفْتنِي حَتّى انْتَسَبْت، وَكَشَفْت النّقَابَ فَالْتَزَمَتْنِي وَقَالَتْ: هَاجَرْت إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَرُدّنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا رَدّ غَيْرِي مِنْ الرّجَالِ، أَبَا جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ، وَأَبَا بِصَيْرٍ، وَحَالُ الرّجَالِ يَا أُمّ سَلَمَةَ لَيْسَ كَحَالِ النّسَاءِ، وَالْقَوْمُ مُصَبّحِي، قَدْ طَالَتْ غيبتي عنهم اليوم