الْمُرْضِعَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِمَارَةِ ; وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً إِلَّا أَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ; وَأَلْحَقَهَا بِبِئْسَ ; نَظَرًا إِلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ حِينَئِذٍ: دَاهِيَةً دَهْيَاءَ، وَفِيهِ أَنَّ مَا يَنَالُهُ أَمِيرٌ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ; أَبْلَغُ وَأَشَدُّ مِمَّا يَنَالُهُ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالسَّرَّاءِ ; وَأَتَى بِالتَّاءِ فِي الْمُرْضِعِ وَالْفَاطِمِ ; دَلَالَةً عَلَى تَصْوِيرِ تَيْنِكَ الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإِرْضَاعِ وَالْفِطَامِ ; يَعْنِي الْمُرْضِعَ وَالْفَاطِمَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ لِلنِّسَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِتْيَانِ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ وَصْفَيِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ; وَلِذَا يُقَالُ طَالِقٌ وَحَائِضٌ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا هَاهُنَا لِتَذْكِيرِ التَّصْوِيرِ، قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْوِلَايَةَ بِالْمُرْضِعَةِ وَانْقِطَاعَهَا بِالْمَوْتِ، أَوِ الْعَزْلَ بِالْفَاطِمَةِ ; أَيْ نِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ الْوِلَايَةً ; فَإِنَّهَا تَدِرُّ عَلَيْكَ الْمَنَافِعَ وَاللَّذَّاتَ الْعَاجِلَةَ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ الْمُسِيئَةُ فَإِنَّهَا تَقْطَعُ عَنْكَ اللَّذَائِذَ وَالْمَنَافِعَ وَتُبْقِي عَلَيْكَ الْحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُلِمَّ بِلَذَّاتٍ يَتْبَعُهَا حَسَرَاتٌ اهـ. وَقِيلَ جَعَلَ الْإِمَارَةَ فِي حَلَاوَةِ أَوَائِلِهَا وَمَرَارَةِ أَوَاخِرِهَا، كَمُرْضِعَةٍ تُحْسِنُ بِالْإِرْضَاعِ وَتُسِيءُ بِالْفِطَامِ، قُلْتُ فِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ حَلَاوَةَ الْإِمَارَةِ وَمَرَارَةَ الْوِلَايَةِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ بِالرَّضَاعِ وَالْفِطَامِ، إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَطْفَالِ الطَّرِيقَةِ دُونَ الرِّجَالِ الْوَاصِلِينَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْحَقِيقَةِ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَظِلٌّ زَائِلٌ إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ الْوَاقِفُونَ عَلَى الْبَابِ وَلِلْعِلِّيِّينَ أَرْبَابُ الْأَلْبَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015