منهم بالله رب العالمين، وصرف خالص محبة العبودية، وما يجب من الخضوع لرب البرية، إلى الأنداد والشركاء، والوسائل والشفعاء. بل وسائر العبادات الدينية، صرفت إلى المشاهد الوثنية والمعابد الشركية، وصرحت بذلك ألسنتهم، وانطوت عليه ضمائرهم، وعملت بمقتضاه جوارحهم، ولم ينج من شرك هذا الشرك إلا الخواص والأفراد والغرباء في سائر البلاد؛ وذلك مصداق ما أخبر به الصادق المصدوق بقوله: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ" 1. قال بعض الأفاضل من أزمان متطاولة: الإسلام في وقتنا أشد غربة منه في أول ظهوره، قلت: وذلك أنه في أول وقت ظهوره يعرفه الكافرون والمنكرون والمنكر له كما قال تعالى حاكيا عنهم أنهم قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 2. وأكثر المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأزمان يعتقدون أنه هو الاعتقاد في الصالحين ودعوتهم والاستغاثة بهم والتقرب إليهم بأنواع العبادات كالذبح والنذر والحلف وغير ذلك من أنواع الطاعات، وذلك لأنه ولد عليه صغيرهم، وشاب عليه كبيرهم، واعتادته طباعهم. فتراهم عند تجريد التوحيد يقولون: هذا مذهب خامس، لأنهم لا يعرفون غير ما نشؤوا عليه واعتادوه لا سيما إذا ساعد العادة والاغترار بمن ينتسب إلى العلم والدين، وهو عند الله معدود في زمرة الجاهلية والمشركين. فهذا وأمثاله هم الحجاب الأكبر بين أكثر العوام، وبين نصوص الكتاب والسنة، وما فيهما من الدين والهدي، ثم أكثرهم قد تجاوز القنطرة، وغرق في بحار الشرك في الربوبية، مع ما هو فيه من الشرك في الإلهية؛ فادعى أن للأولياء والصالحين شركة في التدبير والتأثير، وشركة في تدبير ما جاءت به المقادير. وأوحى إليهم إبليس اللعين، أن هذا من أحسن الاعتقاد في

طور بواسطة نورين ميديا © 2015