أردنا إلا إحسانا بكوننا نسلم من الفضيحة والعار، وتوفيقا بين المؤمنين والكافرين، أو بين طريق الكفر وطريق الإيمان، أي: نمشي معكم ونمشي مع الكفار، وهذه حال المنافقين؛ فهم قالوا: أردنا أن نحسن المنهج والمسلك مع هؤلاء وهؤلاء، ونوفق بين الطرفين.
قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} . توعدهم الله بأنه يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخداع، فالله علام الغيوب، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16] ، بل الله أعلم منك بما فيك، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ، وهذا من أعظم ما يكون من العلم والخبرة أن الله يحول بين المرء وقلبه، ولهذا قيل لأعرابي: " بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم ".
فالإنسان يعزم على الشيء، ثم لا يدري إلا وعزيمته منتقضة بدون سبب ظاهر.
قوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} . وهذا من أبلغ ما يكون من الإهانة والاحتقار.
قوله: (وعظهم) . أي: ذكرهم وخوفهم، لكن لا تجعلهم أكبر همك؛ فلا تخافهم، وقم بما يجب عليك من الموعظة لتقوم عليهم الحجة.
قوله: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} . اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الجار والمجرور في أنفسهم متعلق ببليغ؛ أي: قل لهم قولا بليغا في أنفسهم؛ أي: يبلغ في أنفسهم مبلغا مؤثرا.
الثاني: أن المعنى: انصحهم سرا في أنفسهم.
الثالث: أن المعنى: قل لهم في أنفسهم (أي: في شأنهم وحالهم) قولا