الأمين العام:
بسم الله الرحمن الرحيم.. (صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) . حقيقة أن الدراسات التي قدمت اليوم حول مشكلة الرؤية والحساب كلها جيد ومقنع سواء كانت هذه تتصل أو تمشي مع الفقهاء القدامى الذين آثروا الرؤية البصرية أو كانت تتصل بقضية الحساب واعتماده في تحقيق وحدة المواسم بين المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها, الذي أردت لفت النظر إليه, أمران عمليان نعيشهما وعشتها أنا شخصيا, وقضايا تقديرية لا بد من الانتباه إليها, والمراد بالانتباه أي أخذها في التقدير. أما القضايا العملية التي نعيشها فإني كنت من أشهر بسنغافورة وقيل لي عندما ارتفعنا إلى مكان عال هو الجهة الأكثر ارتفاعا لهذه المدينة, قالوا نحن نحاول أن نحسب الشهر وأن تقدره بطريق الرؤية فلا نستطيع ذلك لأن السماء في كل العام الأفق فيها مغطى محجوب ولذلك لا يظهر الهلال إطلاقا إلا بعد أن يرتفع في كبد السماء, فلا تمكن الرؤية إلا في اليوم الرابع والخامس إلى آخره, وبناء على ذلك فنحن نحتاج إلى التعاون مع جيراننا للاستنارة برؤيتهم أو الأخذ بالتقدير الحسابي لنكون على بينة من أمرنا في قيامنا بعبادات الصوم.
وأما الأمر الثاني: فإني لاحظت أنا شخصيا بأن الحساب يقول بأن الرؤية مستحيلة في هذا اليوم وأن الشهر لا يمكن أن يرى القمر أو الهلال فيه إلا بداية من الغد. فإذا بالرؤية البصرية تثبت أن هذا اليوم وهو يوم الخميس يمكن أن يرى فيه القمر أو الهلال أو قد رؤي بالفعل وأن الحساب يكون متأخرا, فهذا إما أن يكون الحساب غالطا وإما أن تكون الرؤية غير صحيحة. وهنا أريد أن أذكر بما ورد في حاشية ابن عابدين من أنه قال"إن الحساب لا يعتد به إلا في مقام النفي" (شاهد نفى) فإذا قيل لنا بأن الرؤية البصرية تمت وتثبت أن الشهر بدايته اليوم وكان الحساب يقول بأن هذا غير ممكن, فهذا شاهد لبطلان الرؤية بالعين المجردة, فهي شهادة نفى تقدم في هذه الحالة. ثم هناك أشياء تلتقي فيها قضية النظر بالحساب وقضية الرؤية البصرية هو قضية اختلاف المطالع واتفاق المطالع. قضية اختلاف المطالع يبدو أن الفصل فيها ينبغي أن يقدم على الحساب والرؤية. إما أن يجمع المسلمون اليوم على أن الأخذ باختلاف المطالع لم يبق أمرا مأخوذا في الاعتبار, أن الأخذ باتحاد المطالع ينبغي أن يكون هو المسيطر على تقديراتنا لنوحد هذه المواسم ونجمع بين المسلمين كافة. أما إذا قلنا باختلاف المطالع فستظل دائما الخلافات قائمة. ثم النصوص التي تثبت الرؤية أو تعتمد الرؤية البصرية هي نصوص تؤدى إلى العلم بثبوت بداية الشهر. وكذلك الحساب هو طريق للعلم, لكن الذي جعل الناس في خلاف حول الحساب هو اختلاف أحوال الحاسبين في الماضي عن أحوال الحاسبين اليوم. فالحساب في الماضي لم يكن يقينا, لم يكن علما, كان شيئا من التخمين والحدث, ذلك أن الناس كانوا ينعتون بمنجمين وينعتون بسحرة, وأنهم يربطون النجوم والحظوظ وبدايات الشهور كل ذلك في صورة واحدة, وهذه الصورة معتمة لا يمكن القبول بها ولا الأخذ بشيء من نتائجها, ولذلك أجمع العلماء في الماضي على أنه لا يجوز الأخذ بقول أهل الحساب ولا المنجمين, أما اليوم فالحساب ليس عمل منجمين, الحساب هو أمر علمي يقيني وكل ما في العالم اليوم من تصريف للكواكب الصناعية التي تسير في الفضاء والمراكب التي تخترق الطباق العليا والتي تصل بالناس إلى الأفلاك وإلى القمر وغيره من الكواكب, هذه لم يصبح معها, لا يمكن أن يوصف معها العلم, علم الحساب بكونه ظنيا وإنما هي أمور قطعية واعتماد هذه الأشياء أمر ضروري في مواكبة الحياة ومواكبة التقدم العلمي.