15 - حق التصرف بمقتضى المصلحة العامة
على أن المصير إلى تحرير الحكم الشرعي في "انتزاع الملك للمصلحة العامة " يستلزم تحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان وما تحت يده من ثابت ومتنقل.
وقد ألمعنا إلى رأينا في هذا الشأن إلماما عارضًا حين وقفنا عند دلالة اللام في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (?) وأوضحنا اعتمادنا القول بأنها للاختصاص ليست للملك , كما رأى الجمهور , واستظهرنا هنالك بآثار بعض المفسرين , ونريد أن نعود إلى الوقوف عند معنى اللام؛ لأن تحديده بدقة هو المنطلق الأساسي - في تقديرنا - إلى تحديد الحكم الذي نحن بسبيل البحث فيه , ووقفتنا هذه ترتكز على ثلاث ركائز؛ الأولى: قوله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (?) , وقوله في سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (?) والثانية: حديث زيد بن أسلم , عن أبيه , وقد سبق أن نقلناه عن أبي عبيدة وجاء فيه قول عمر رضي الله عنهم جميعًا , " قال أسلم: فسمعت رجلًا من بني ثعلبة يقول له: يا أمير المؤمنين , حميت بلادنا , قاتلنا عليها في الجاهلية , وأسلمنا عليها في الإسلام. يرددها عليه مرارًا , وعمر واضع رأسه إليه , ثم إنه رفع رأسه إليه , ثم قال: البلاد بلاد الله , ويحمي النعم مال الله , يحمل عليها في سبيل الله.
والثالث: معنى ذكره الأصوليون للام الإضافة , وهو "التصرف" , وننقله عن أبي الوليد الباجي - رحمه الله - فقد أحسن التعبير عنه والتمثيل له قال (?) :
"فأما لام الإضافة فلها خمسة مواضع: الملك , والسبب , والفعل , والاختصاص , واليد والتصرف".
ثم قال: وأما اليد والتصرف فنحو قولك: المال للوصي , بمعنى أن له فيه اليد والتصرف. قال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (?) فأضاف المال إلى الأوصياء لما كان لهم من القيام عليها والتصرف للأيتام فيها".