وقد أورد ابن نجيم الحنفي، ما يشهد لهذا الرأي الراجح، ويؤيد ما قيده الجصاص فيقول: (رأيت في الهبة من منية المفتي: فقير محتاج معه دراهم، فأراد أن يؤثر على نفسه، إن علم أنه يصبر على الشدة فالإيثار أفضل وإلا فالإنفاق على نفسه أفضل، انتهى) (?) .
الترجيح: من كل هذا يتبين لنا ما يأتي:
أن الإيثار بالمال، والمال الأصل فيه البذل والعطاء، والتسامح والتساهل، قال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلاً سهلاً إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى)) وإذا كان الأصل في المال هو هذا، فإن الإيثار بالمال يكون مرغوباً فيه ومحبوباً، إذا كان الإنسان يستطيع الصبر على الفقر ويأمن ألا يسأل الناس أعطوه أو منعوه، بأن كان له من أسباب الكسب ما يجعله مطمئناً إلى غده.
أما إذا كان لا يستطيع الصبر على الفقر، ويخشى أن يتعرض للمسألة وأن يتكفف الناس فيكره له أن يتصدق.
وقد رأينا في الأحاديث المتقدمة كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم رد صدقة من تصدق بجميع ماله، ثم قال: ((يأتيني أحدهم بجميع ما يملك، فيتصدق به، ثم يقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى)) ، وأنكر صلى الله عليه وسلم صدقة من تصدق بأحد ثوبين، ففي هذه الأخبار كراهة الإيثار على النفس، والأمر بالإنفاق على النفس، ثم الصدقة بالفضل.
فإمساك المال ممن لا يصبر على الفقر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار، ويمكن أن نقول في هذه الحالة: إنه مكروه، والكراهة نوع من الحرمة، وما ذلك إلا لأنه عرض نفسه لما يذلها ويحوجها، وهي النفس التي كرمها الله تعالى، وأوجب تكريمها حية أو ميتة.
كما يتبين لنا أن هذا الحكم، وهو كون الإيثار تارة يكون مرغوباً وتارة يكون مكروهاً محوره المال، وحظوظ النفس الدنيوية بالجود ببعض أو كل ما يملك الإنسان من متاع الدنيا وزينتها، وليس المال إلا مطية للإنسان، وأمراً عارضاً يغدو ويروح، يكثر ويقل، والإنسان نفسه باق ما شاء الله له البقاء يحصل من المال ما وفقه الله إلى تحصيله وجمعه، وكان الإنفاق والتصدق والعطاء منه وبه أمراً مطلوباً شرعاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} فالأصل في المال البذل والعطاء كما سبق أن ذكرنا، وذلك بخلاف النفس؛ إذ الأصل فيها الحرمة، لا تنال كلا أو بعضاً إلا بحق، قال تعالى: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ومن هنا يفترقان.