الفصل الرابع
أثر القرينة في إثبات الجرائم التعزيرية
ويتضمن:
المبحث الأول: أثر القرينة في الكشف على الجناة وإظهار الحق.
المبحث الثاني: توقيع العقوبة التعزيرية بدلالة القرائن
المبحث الأول
أثر القرينة في الكشف على الجناة وإظهار الحق
هنالك من الجرائم ما لا يدخل في نطاق الحدود، وكما لا يدخل في نطاق القصاص، إما لكونه يختلف عنها من حيث نوع الجريمة، أو لأنه قد فقد ركنا أو شرطا من أركان أو شروط الحدود والقصاص وأخرج عن نطاقها، ومع ذلك لم ينتف عنه وصف الجريمة (?) .
هذا النوع من الجرائم يسمى جرائم التعزير، حيث ترك المشرع أمر تقدير عقوبتها لولي الأمر الذي يتوخى في هذا التقدير مقدار الجريمة المقترفة ومصلحة المجتمع الإسلامي.. ولذلك يعرف الفقهاء التعزير بأنه: (عقوبة غير مقدرة تجب حقا لله أو لآدمي لكل معصية ليس فيها حد ولا كفارة) (?) .
وعقوبة التعزير- كما يظهر من تعريف الفقهاء- قد تكون حقا لله تعالى كالإفطار في شهر رمضان، وقد تكون حقا للعباد كسرقة مال شخص من غير حرز، والاختلاس والانتهاب وعدم الوفاء بالدين وغيرها.
والدعوى في التعزير دعوى عادية تتطلب طرق الإثبات المعروفة في الفقه الإسلامي من إقرار وبينة، والقرائن من الأدلة التي يرى الفقهاء جواز العمل والتعزير بموجيها.. ويتضح ذلك من مسلكهم في إعمال القرائن في الكشف عن الجناة وإظهار الحقوق مستندين في ذلك على بعض الدلائل نذكر منها:
1- عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن معاوية بن حيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة (?) .
ورواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة يوما وليلة استظهارا واحتياطا (?) .
2- ما رواه أبو داود عن أزهر بن عبد الله الحرازي أن قوما سرق لهم متاع فاتهموا أناسا من الحاكة فأتوا النعمان بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم أياما ثم خلى سبيلهم فأتوه، وقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان.. فقال: ما شئتم أن أضربهم فإن خرج متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهوركم مثل الذي أخذت من ظهورهم فقالوا: هذا حكمك قال: حكم الله وحكم رسول الله. (?) .
3- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الزبير رضي الله عنه أن يمس بشيء من العذاب – أي ضرب – ابن أبي الحقيق عندما غيب ماله وادعى نفاذه وقال: أذهبته النفقات والحروب.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المال كثير والعهد قريب. (?) .