ثم رد بقوله:
(وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي يتشوفه الشارع: فضعيف؛ فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه) .
وذكر عددًا من هذه الأنواع، ثم قال:
(وأما السراية فإنما كانت لتكميل الحرية. وقد شرع مثل ذلك في الأموال، وهو حق الشفعة، فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع، لما في الشركة من الضرر، ونحن نقول:
شرع ذلك في جميع المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة، فإن أمكن قسمة العين وإلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك.
فتكميل العتق نوع من ذلك؛ إذ الشركة تزول بالقسمة تارة، وبالتكميل أخرى) (?) .
وفي الحديث شرط باطل، وهو شرط الولاء لغير المعتق، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الولاء لمن أعتق)) .
وبطلان الشرط هنا لمخالفته للشرع وليس لمقتضى العقد، فلو لم يمنعه الشرع لجاز، أو لكان من المسائل الخلافية؛ فهو لا يتنافى مع مقصود العقد.
ولا خلاف حول صحة العقد وبطلان الشرط، ولكن الخلاف فيما يلحق بهذا الشرط، وسبق بيان هذا في المباحث السابقة عند الحديث عن الشروط غير الصحيحة في كل مذهب، وتفسير ابن تيمية لما جاء في هذا الحديث من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل)) .
والحديث الثالث: النهي عن الثنيا:
روى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا (?) .
والثنيا هنا ذكرت مطلقة غير مقيدة، أي أن الحديث يتعارض مع حديث جابر: " واستثنيت حملانه إلى المدينة ". وذكر أيضًا أن البخاري روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا، أي أن الحديث متفق عليه. وهذا غير صحيح؛ فالبخاري لم يروه، ولكن جاء في كتاب الشروط باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، وذكر حديثًا واحدًا وهو: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)) (?) .
وأما حديث مسلم فقد رواه النسائي؛ وذكر رواية قبل هذه الرواية، ومنها: ((وعن الثنيا إلا أن تعلم)) ، وجعل الروايتين تحت باب " النهي عن الثنيا حتى تعلم " (?) .
وأبو داود روى الروايتين أيضًا (?) .
أما الترمذي فلم يرو إلا رواية واحدة، وهي " والثنيا إلا أن تعلم " (?) .
وهذا يؤيد حديث جابر، فالثنيا كانت معلومة.