وقال القرافي: ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي، وموضع الفتيا أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث عندهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟.
وإن كان اللفظ عرفياً فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفة أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء (?) .
والآن يصل بنا الكلام إلى (فقه التخريج) ، ولنبدأ بالتأريخ له فنقول وبالله التوفيق:
تاريخ التخريج:
التخريج في مرحلته الأولى:
إن التخريج – باعتباره تفريعاً على آراء الأئمة وبيان مبنى الخلافات القائمة بينهم – كان ملازما لنشأة المذاهب الفقهية من قبل تلامذة الأئمة ثم من جاء بعدهم من العلماء … يخرجون أحكام الوقائع الجديدة التي لم يرد بشأنها شيء عن الإمام قياساً على وقائع جزئية منصوص على حكمها من قبل الإمام، أو على قواعده والأسس التي استخدمها في الاستنباط.
وبناء عليه يمكننا القول بأن محمد بن الحسن (- 189 هـ) وأبا يوسف (-182هـ) وغيرهما من تلاميذ أبي حنيفة (- 150 هـ) كانا من المخرجين على مذاهب إمامهما … وإن كانا من المجتهدين اجتهاداً مطلقاً منتسباً.
كما أن عبد الله بن وهب (-197 هـ) وعبد الرحمن بن القاسم (-192 هـ) وأشهب بن عبد العزيز القيسي (-224 هـ) وأسد بن الفرات (213- هـ) وعبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون (- 240هـ) من أتباع مالك رحمه الله (-179 هـ) من المخرجين على مذهبه أيضاً.
ومثل هؤلاء تلامذة الإمام الشافعي رحمه الله (- 204 هـ) كالحسن بن محمد الزعفراني (-260 هـ) وأبي علي الحسن بن علي الكرابيسي (- 245 هـ) وإسماعيل بن يحيى المزني (- 264 هـ) وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي (-231 هـ) والربيع بن سليمان المرادي (- 270 هـ) .
- وكذلك تلامذة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (- 240هـ) ، الذين نقلوا آراءه؛ كابنه عبد الله (290هـ) وابنه صالح (-266هـ) والآخرين الذين أخذوا عنه أو عن تلاميذه، كأحمد بن محمد بن عبد العزيز المروزي (-275هـ) وأبى إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (- 285 هـ) وأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون المعروف بالخلال (- 311هـ) وأبي القاسم عمر بن حسين المزني (- 343 هـ) . … وغيرهم. ومن الممكن أن نلحظ هذا في سائر المذاهب الفقهية.
فعلماء هذا الدور ومن جاء بعدهم جمعوا الآثار ورجحوا الروايات وخرجوا علل الأحكام واستخرجوا من شتى المسائل والفروع أصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاويهم (?) .
ومن أقدم الكتب المؤلفة في هذا الباب: (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمر قندي (- 373 هـ) ، ثم جاء بعده أبو زيد الدبوسي (- 430 هـ) ؛ فصنف كتابه (تأسيس النظر) منسج على منوال السمرقندي، وبعد ما يزيد على قرنين ظهر كتاب (تخريج الفروع على الأصول) لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني (- 256هـ) وقد ادعى قائلاً: حيث لم أرَ أحداً من العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين من تصدى لحيازة هذا المقصود (?) ! ولكن هذه الدعوى يخدشها ظهور الكتابين السابقين. . .