قال القرطبي (?) : وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية ليست بواجبة، لقوله عليه السلام لأناس سألوه قالوا: يا رسول الله، إن أقواماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سموا الله عليه وكلوا)) أخرجه الدارقطني عن عائشة، ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه، لم يختلف عليه في إرساله، وتأوله بأن قال في آخره: (وذلك في أول الإسلام) يريد قبل أن ينزل عليه: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام 121] .
قال أبو عمر: وهذا ضعيف، وفي الحديث نفسه ما يرده، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه. ومما يدل على صحة ما قلناه: أن هذا الحديث كان بالمدينة، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام 121] نزل في سورة الأنعام بمكة.
ومعنى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] أي لمعصية، عن ابن عباس، والفسق: والخروج.
واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة، رضي الله عنها، أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ((سموا عليه أنتم وكلوه)) .
قالت: "كانوا حديثي عهد بكفر". (?) قال: "لو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها".
وهذا هو المتبادر من سياق الحديث، حيث وضع الجواب فيه (سموا أنتم) كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا، وهذا من الأسلوب الحكيم، ومما يدل عليه قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] فأباح الأكل من ذبائحهم، مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا.