ذبائح سائر الكفار:
مفهوم هذا الشرط المتقدم أن المجوس والمشركين وسائر الكفرة وعباد الأصنام من البوذيين والهندوس وغيرهم لا تحل للمسلم ذبائحهم، وكذلك الملحدون والدهريون الذين لا يؤمنون بالله تعالى، ويعتقدون أن الكون وجد صدفة، وأن الحياة مجرد مادة تتفاعل، وتتوالد الأشياء بحسب الطبيعة المجردة، دون أن يكون لها فاعل مختار مدبر، كما هو مذهب الشيوعيين.
وتحريم ذبائح غير المسلمين وأهل الكتاب أمر مجمع عليه، قال الإمام أحمد: "لا أعلم أحدا قال بخلافه "، إلا أنه روي عن أبي ثور أنه أباح ذبائح المجوس؛ من أجل أنه ورد الحديث النبوي: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". وهذا خطأ من أبي ثور رحمه الله في الاستدلال، فإن هذا وارد في أخذ الجزية من المجوس، وإقرارهم أهل ذمة في البلاد الإسلامية، لا في أكل ذبائحهم أو التزوج بنسائهم، فإن الحديث وارد في هذا الشيء خاصة، كما هو معلوم في قصة ورود الحديث.
لو كان الحديث المذكور واردا مورد العموم- حسبما ادعاه أبو ثور - لكان التزوج بنساء المجوس حلالا للمسلم، وهو أمر ظاهر البطلان.
ووجه الاختصاص، والله أعلم، أن كون المجوس لهم شبهة كتاب شبهة تقتضي حقن دمائهم، وتقتضي في نفس الوقت تحريم نسائهم وذبائحهم (?) .
ولذا فالقاعدة أن من حل لنا التزوج من نسائهم حل لنا أكل ذبائحهم، ومن هنا قرنت الآية المتقدمة بين هذين النوعين من أفعال المكلفين، أعني قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]
وقد جادل في تحريم ذبائح الكفار من سوى أهل الكتاب بعض المعاصرين، بدعوى أن القول بذلك لا دليل له من كتاب أو من سنة.
ولا نشتغل بالرد عليهم، لظهور فساد قولهم ومخالفته للإجماع (?)