ثانيًا: القانون الواجب تطبيقه على غير المسلمين:
لا خلاف بين علماء المسلمين – من أهل التفسير أو الفقه – على أن القاضي المسلم لا يجوز له أن يحكم بغير الشريعة الإسلامية – سواء أكان ذلك بين المسلمين أم كان بين غير المسلمين، وذلك لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48] ، وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] ؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة، إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها (?) .
ولكن القاضي في تطبيقه لأحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، يراعي القواعد والأحكام التي نص عليها الفقهاء، تطبيقًا لقاعدة (أمرنا بتركهم وما يدينون) ، باعتبارها قواعد موضوعية في الشريعة الإسلامية وليست قواعد إسناد تحيل إلى شريعتهم أو إلى قانون آخر غير الشريعة الإسلامية (?) .
وعلى ذلك: ذهب الحنفية إلى أن أحكام الإسلام تجري على غير المسلمين – كما تجري على المسلمين – فيما عدا الأنكحة ونفي المهر وتمليك الخمر والخنزير وتملكهما، فقد وضعوا لها قواعد موضوعية تفصيلية، يمكن الرجوع إليها في مظانها (?) . وعند المالكية: أنهم يقرون على أنكحتهم، وإن كانت فاسدة في ذاتها، ولا يمنعون من الزواج بالبنات والأمهات، على تفصيل في كتبهم (?) .
وقد فصل الشافعية أحكام أهل الذمة في عدة مواضع من كتبهم، بما لا يخرج في الجملة عما سبق إيراده (?) . ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الحنابلة (?) .