36 – والأصل أن سلطة القاضي على حكم التحكيم من الناحية الموضوعية لا تختلف عن سلطته على قضاء القاضي المولى إذا رفع إليه، وذلك على رأي الجمهور، فالحكم إذا خالف نصًّا من الكتاب أو السنة، أو إجماعًا، أو قاعدة واجبة الإعمال فإنه ينقض، سواء أكان حكمًا صادرًا من قاض مولى أو من محتكم إليه، إذ لا حجية في مخالفة الشرع، ولا اجتهاد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه (?)
أما إذا كان الحكم صادرًا فيما يجوز فيه الاجتهاد، ففي رأي الجمهور لا يجوز نقضه، سواء أكان حكمًا لقاض أم لمحتكم إليه، وسواء أوافق اجتهاد القاضي الذي ينظره أم خالفه (?) ؛ ذلك لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله وإلا لتوالى نقض الأحكام وعز الاستقرار وغلبت الفوضى، على نحو ما يشرحه الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى) (?)
ويرى الحنفية أن حكم المحتكم إليه يختلف في حجيته عن حكم القاضي إذا صدر في المواضع التي يجوز فيه الاجتهاد؛ ذلك لأن حكم التحكيم إذا صدر في ذلك ورفع أمره إلى القاضي، فإن وافق اجتهاده أمضاه، لا لأنه واجب الإمضاء لذاته وإنما لأنه لا فائدة من نقضه، ثم إبرامه على نفس الوجه، أما إذا كان يخالف رأي القاضي فإن له أن يفسخه فلا ينفذ، وقالوا في تعليل ذلك، إن حكم التحكيم بمثابة العقد الموقوف على إجازة القاضي، فيملك القاضي فسخه، كما أن التحكيم لا ينفذ إلا في مواجهة من رضي به، ولذلك صح تنفيذه بين الخصوم، أما القاضي فلأنه لم يرض به، فإنه لا يلزمه ورضاهما بحكمه لا يكون حجة الإلزام في حق القاضي (?) ، وهذا كله لا يتحقق في قضاء القاضي المولى، فإن الرضا به ليس شرطًا لتنفيذه، لاستناده إلى ولاية عامة تشمل القاضي الذي عرض عليه الحكم، فلا ينقض إلا إذا خالف النص أو الإجماع أو كان قولًا لم يقل، من يعتد به من المجتهدين.