ولا ريب أن ما سبقت الإشارة إليه لا يتناول إلا بعضًا من شروط المحتكم إليه؛ ذلك لأن هناك من الشروط ما لا يقبل الخلاف، وذلك كشرط الإسلام في الحكومة بين المسلمين، فلم يقل أحد يعتد برأيه بأنه يجوز تحكيم غير المسلم في المنازعات بين المسلمين، أما ما عدا ذلك من الشروط فإن معظمها قد اختلف فيه العلماء، بما يبسط أمام الطرفين مجال التطبيق، ويمنح ولي الأمر سعة في اختيار الرأي الذي يستلزمه المصلحة، ما دام قد ارتاح إلى دليله، وذلك إذا تبنى ما تطبقه أغلب البلاد الإسلامية - حاليًا – من عدم الالتزام – التزامًا مطلقًا – بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي.

وعلى هدي ما تقدم، فإنه يمكن – على الرأي السائد في الفقه الحنفي – أن يرتضي الطرفان تحكيم الفاسق أو الجاهل أو تحكيم المرأة؛ لأن كلًّا من هؤلاء تجوز توليته القضاء، فيصبح – من باب أولى – أن يكون حكمًا، فإذا حاز الفاسق ثقة المتحاكمين، وهما يعلمان سبب فسقه، فإن حكومته صحيحة؛ لأنه أهل للشهادة من ناحية، ولأن العدالة شرط كمال، وليست شرط تولية (?) ، مثلها في ذلك مثل العلم بفقه المسألة، فالجاهل إذا تولى التحكيم واسترشد بالعلماء صحت حكومته.

وإذا احتكم المحتكمان إلى امرأة فيما تجوز شهادتها فيه كغير الحدود والقصاص، وحكمت، نفذ حكمها؛ لأن قضاءها في ذلك ينفذ، مع خلاف في جواز توليتها – في الأصل – أو عدم جواز ذلك (?)

ومن زاوية أخرى فإنه على الرأي السائد في مذهب المالكية، فإنه لا يشترط لصحة تولية المحتكم أن يكون سليم الحواس، فتصح حكومة الأعمى، والأخرس، والأصم وينفذ قضاؤه (?) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015