وقد أجاب فقهاء الصحابة عن شبهة الخوارج هذه بشقيها، فقالوا: إنه لا صحة لدعوى عدم جواز التحكيم في غير ما ورد به النص، كالشقاق بين الزوجين والصيد؛ ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل التحكيم في بني قريظة، وهو من قبيل التحكيم في الدماء، ولم يرد به نص في الكتاب الكريم، وفيما يختص بالإدعاء بأن القرآن حكم في معاوية وحزبه بما لا محل معه للاحتكام للرجال. قالوا: إن كتاب الله الكريم لا يحكم في الوقائع بنفسه، ولكن لابد من الرجال للتحقق من مناط الحكم والتثبت من شروط تطبيق أمر الله (?) .

وأيا ما كان الرأي فيما تساند إليه هؤلاء النفر من الخوارج، فإن الواضح في مناقشاتهم وجدالهم أنهم لا يقرون التحكيم في المحل الذي وقع فيه، أما التحكيم من حيث المبدأ فإنهم يصرحون بشرعيته فيما نزل به القرآن الكريم مثل الشقاق والصيد.

وبذلك تكون واقعة التحكيم بين علي ومعاوية قد كشفت، فيما يشبه الإجماع من الصحابة في العصر الذي وقعت فيه، عن مشروعية التحكيم من حيث المبدأ على أقل القليل (?)

ونتيجة لهذا، ولما تقدم جميعه، فإن جمهور فقهاء المسلمين قد انتهوا إلى مشروعية التحكيم المبني على التراضي، فكان هذه هو مذهب الحنابلة، والأصح لدى الحنفية والشافعية وعند المالكية (?) .

على أن القول بجواز التحكيم لا يحول بين ولي الأمر وبين إيجابه على الناس في بعض الحالات أو تحريمه عليهم في حالات أخرى، طالما بقي أصل التحكيم سائغًا؛ وذلك لأن له أن يجعل المباح واجبًا أو محظورًا (?) ، كما أنه يملك تنظيم القضاء وتخصيصه من حيث الزمان أو المكان أو بالحادثة وبالتالي فهو يملك ذلك بالنسبة للتحكيم الذي هو أدنى مرتبة من القضاء

طور بواسطة نورين ميديا © 2015