غير أن التحكيم مع اشتباهه بالقضاء في كل ما تقدم، فإنه يفترق عنه في أمور كثيرة، وسبب الاختلاف بنيهما يرجع إلى أن مصدر السلطة في كل منهما يختلف عن مصدرها في الآخر، فالتحكيم يستمد سلطته – بصفة عامة – من رضاء آحاد من الناس بحسم الخصومة بنيهم على يد حكم يرضونه، أما القضاء فيستند في سلطته إلى ولاية عامة يخلعها عليه من يملك ذلك، حين ينصبه قاضيًا يحكم بين الناس، فيما يرفعه إلى أي منهم، ويكون قضاؤه بحكم، يلزم به من يرى أنه أحق بإلزام، رضي به أم لم يرض، طالما أنه مكن من إبداء ما قد يكون لديه من دفاع.

فاستناد التحكيم إلى رضاء من يلجئون إليه، يضع في يد هؤلاء الحق في رسم نطاق محدد، لايحق للمحتكم إليه أن يتعداه، ويجعل ناصية الأمر بأيديهم كذلك، فيستطيعون – بحسب الأصل – أن يعدلوا عن التحكم أيًّا كان موقعهم من الخصومة، مدعين أو مدعى عليهم، وذلك طالما لم يصدر الحكم أو لم يشرع الحكم في أصدراه، على خلاف في ذلك بين العلماء، أما القضاء فإن استناده إلى الولاية العامة، يحرم المتقاضيين من رسم نطاق التقاضي إلا في حدود محصورة (?) كما يحرم الخصوم من إنهاء الخصومة دون حكم إلا في حالات محددة ولا يقتضي التقاضي ضرورة حضورهم، فيجوز الحكم على الغائب منهم، إذا تخلف عن الحضور دون عذر شرعي مقبول.

ومن ناحية أخرى، فإنه ما دامت سلطة المحتكم إليه تستند إلى رضا المحتكمين به، فإن لهؤلاء الحق في عزله، بحسب الرضاء منه، أما في القضاء فلا محل لتخويل المتقاضين حق عزل القاضي؛ لأنه لا يستمد سلطته منهم، بل إن القاضي نفسه على خلاف المحتكم إليه لا يملك التنحي عن الفصل في الخصومة دون مبرر شرعي؛ لأن قضاءه فيها واجب عليه، وليس حقًّا له يخضع لقبوله ورضاه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015