من كتاب نظرية الظروف الطارئة – د. عبد السلام الترمانيني-
3- وفي النقود يظهر الطارئ غير المتوقع الذي يؤثر في قيمة النقد المتعاقد به هبوطاً وارتفاعاً، وقد عرفت سورية ولبنان مشكلة هبوط النقد في الحرب العالمية الأولى عندما هبطت قيمة الأوراق النقدية العثمانية. وبعد الحرب حين هبط الفرنك الفرنسي، وكان التعامل بين الناس آنئذ يجري بالعملية الذهبية، كما عرفت مصر أيضاً هذه المشكلة بعد تلك الحرب في العقود المعقودة بالفرنك وبالمارك الألماني الذي هبطت قيمته هبوطاً كبيراً. (?)
وقد عالج الفقه الإسلامي مسألة النقد معالجة واسعة على ما فصلناه فيما تقدم، فميز بين العملة الخالصة والمغلوبة الغش، وبين العملة الخالصة والغالبة الغش، أي بين ما يكون نقداً بذاته، وبين ما يكون نقداً بالاعتبار، وهذا النوع الثاني يطابق مفهوم العملة الورقية أجزائها المعدنية التي أصبحت مدار التعامل في كل أنحاء العالم.
ويظهر من قول الإمام أبي يوسف أنه قد اعتبر الذهب أساساً للعملة الاعتبارية، فأوجب الوفاء بما يعادل قيمتها يوم العقد أو القبض من الذهب عند تبدل القيمة والكساد والانقطاع. (?)
ومع أن رأي أبي حنيفة وتلميذه محمد، بالوفاء بالنقد المتعاقد به دون النظر إلى تبدل قيمته، يطابق ما استقر عليه الرأي في زماننا قانوناً وفقهاً واجتهاداً، إلا أن في الأحكام القضائية التي رجعت إلى قيمة النقد يوم العقد في الدعاوى التي أقيمت في مصر على أثر سقوط الفرنك والمارك ما يطابق رأي أبي يوسف. ويبدو من هذه الأحكام أنها قد طبقت نظرية الحوادث الطارئة بطريق غير مباشر استناداً إلى نية المتعاقدين ومبدأ العدالة. (?)