وتوسط ابن منير فقال: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة الأربعة لا قبلهم – والفرق أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدونوا مذاهبهم ولا كثرت الوقائع عليهم (?) .
وبعد ذلك قال الزركشي:
فلو التزم مذهبًا معينا كمالك والشافعي واعتقد رجحانه من حيث الإجمال فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر؟ فيه مذاهب:
أحدها: المنع، وبه جزم الجيلي في الإعجاز لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع، فلا ضرورة إلى الانتقال إلى التشهي، ولما فيه من اتباع الترخص والتلاعب بالدين.
والثاني: يجوز – وهو الأصح في (الرافعي) ، لأن الصحابة لم يوجبوا على العوام تعيين المجتهدين؛ لأن السبب وهو أهلية المقلد للتقليد عام بالنسبة إلى أقواله، وعدم أهلية المقلد مقتض لعموم هذا الجواب – ووجوب الاقتصار على مفت واحد بخلاف سيرة الأولين (?) .
وحينما ذكر هذا القول وقال: إن الانتقال إلى مذهب الغير يقوى في صورتين: الأولى إذا كان مذهب الغير فيه شدة، فانتقال يدعو إليه الورع والاحتياط – والثانية إذا رأى أن للقول المخالف لمذهبه دليلاً صحيحًا، ولم يجد في مذهب إمامه دليلاً قويا عنه ولا معارضًا راجحًا عليه؛ فلا وجه لمنعه من التقليد. ثم قال:
واعلم أنا حيث قلنا بالجواز فشرطه أن يعتقد رجحان ذلك المذهب الذي قلد في هذه المسألة، وعلى هذا فليس للعامي ذلك مطلقًا، إذ لا طريق له إليه.