دليل مشروعية الاستصناع:
يرى الفقهاء أن مقتضى القياس أو القواعد العامة ألا يجوز الاستصناع، لأنه بيع المعدوم كالسلم، وبيع المعدوم لا يجوز، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان، فلا يصح بيعًا لأنه بيع معدوم، ولا يمكن جعله إجارة، لأنه استجار على العمل في ملك الأجير، وذلك لا يجوز، كما لو قال رجل لآخر: أحمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا، بكذا، أو أصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح وهذا قول زفر ومالك والشافعي وأحمد، لكن يصح الاستصناع عندهم على أساس عقد السلم، ويشترط فيه ما يشترط في السلم، ومن أهم شروطه تسليم جميع الثمن في مجلس العقد.
ويصح عند الشافعية حينئذٍ، سواء حدد فيه الأجل لتسليم الشيء المصنوع أم لا، بأن كان سلمًا حالًّا، والسلم الحال جائز عندهم (?) .
وذهب الحنفية إلى أنه يجوز الاستصناع استحسانًا، لتعامل الناس وتعارفهم عليه في سائر الأعصار من غير نكير، فكان إجماعًا من غير إنكار من أحد، والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (?) وقال ابن مسعود: " ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن " (?) .
وقد استصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا، واحتجم صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام، مع أن مقدار عمل الحجامة وعدد مرات وضع المحاجم ومصها غير لازم عند أحد، ومثله شرب الماء من السقاء، وسمع صلى الله عليه وسلم بوجود الحمام فأباحه بمئزر، ولم يبين له شرطًا، وتعامل الناس بدخوله من لدن الصحابة والتابعين على هذا الوجه المعمول به الآن، وهو ألا يذكر مقدار الماء المستهلك ولا مدة المكث في الحمام، والمعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا (?) .