ويقول في موضع آخر: (نحن لا ننفي نوع الحياة التي يثبتها الأطباء للجنين قبل نفخ الروح، ولا ما يترتب عليها من نمو. وإنما نقول: إن هذه الحياة المنبثة في الجنين قبل نفخ الروح حياة طبيعية محضة تشبه حياة النبات، ليس لها ظاهرة سوى خاصة حركة النمو والتغير في كم البدن وكيفيته، وهي ما تسميه الحكماء حياة التغذية والتنمية والتوليد أو الحياة الطبيعية. وبعد نفخ الروح الإنساني في البدن وسريانها فيه يتحصل نوع آخر من الحياة تندمج فيه الحياة الطبيعية للجنين، بحيث يكون مصدراً لظاهرة الحس والحركة الإرادية، ومبدأ مصححاً للعلم بالفكر والروية وغير ذلك من الأثار اللائقة بنوع الإنسان، وهو ما يسمونه حياة الحس والحركة والعلم والتمييز. فالحياة الأولى حياة حيوانية مترتبة على أرواح وقوى طبيعية، والحياة الثانية حياة إنسانية مترتبة على ما ذكر وعلى الروح الإنساني ...

وأهل الطب والتشريح يستندون في كثير من مباحثهم إلى التجربة والمشاهدة والفكر. وأهل الشرع يتمسكون مع ذلك بصريح النقل. ومن هنا مع تباين الاصطلاحات قد يتوهم خلاف بين ما جاءت به الشريعة الغراء في هذا الباب ونحوه وبين ما يذكره أرباب الصناعة في ذلك. وفي الحقيقة لا خلاف، وإنما هو اختلاف في النظر ووجهة البحث (?) ولوعني أصحاب الصناعة الحديثة بما ورد به الشرع في هذا الباب وأمثاله وفهموه على وجهه، وما أثبتته النظريات الصحيحة والتجربة الكافية، وأعطوه جانباً من العناية والتصرف الفكري، كما كان عليه الأوائل من أرباب هذه الصناعة في كثير من مباحثهم كالشيخ الرئيس ابن سينا وصاحب التذكرة، لاتسع لهم نطاق العلم ومجال الفهم وخرجوا عن كثير من المضايق الفنية التي تعترضهم أثناء تطبيق العلم على العمل. 00) (?)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015